مكافحة الفساد… بين هيبة الدولة ومنطق التسويات

نبيل عبد الأمير الربيعي

لا يكاد يختلف اثنان على أن الفساد كان، ولا يزال، أحد أخطر التحديات التي واجهت الدولة العراقية بعد عام 2003م. فهو لم يلتهم المال العام فحسب، بل أضعف مؤسسات الدولة، وأفقد المواطن ثقته بالسلطة، وأعاق مشاريع التنمية والإعمار، حتى أصبح الحديث عن الفساد جزءًا من الحياة اليومية للعراقيين.
ومع انطلاق حملة جديدة لملاحقة المتهمين بقضايا الفساد، عاد الأمل إلى الشارع العراقي، لكنه أمل مشوب بالحذر. فالعراقيون لم يعودوا يكتفون بالإعلانات أو المؤتمرات الصحفية، بل يريدون أن يروا العدالة وهي تطبق على الجميع بلا استثناء، وأن يكون القانون أقوى من النفوذ، والدولة أقوى من المصالح.
إن الفساد لا هوية له، ولا طائفة، ولا قومية، ولا حزب. فهو جريمة بحق الوطن بأكمله، ولذلك فإن أي محاولة لتسييس هذا الملف أو تطييفه لا تخدم إلا الفاسدين. فالمواطن لا يسأل عن انتماء المتهم، بل يسأل: هل استعيد المال العام؟ وهل خضع الجميع للمساءلة وفق القانون؟
لكن السؤال الأكثر حضوراً في الشارع العراقي اليوم هو: هل ستصل الحملة إلى الرؤوس الكبيرة، أم ستبقى عند حدود الشخصيات الأقل نفوذاً؟ فهذا السؤال يعكس تجربة مريرة تراكمت عبر سنوات طويلة، جعلت المواطن ينتظر الأفعال لا التصريحات.
ولو قورنت الأموال التي أُعلن عن ضبطها أو استعادتها بحجم الأموال التي يعتقد كثير من العراقيين أنها أُهدرت أو سرقت خلال أكثر من عقدين، فإنها تبدو جزءاً محدوداً من المشكلة. فالقضية لا تتعلق بما كشف عنه فقط، بل بما لم يكشف بعد، وبقدرة مؤسسات الدولة على ملاحقة جميع القضايا دون انتقائية.
وتبرز هنا قضية لا تقل خطورة، وهي مبدأ التسويات في ملفات الفساد. فحين يسمح، وفق ما يتداول في بعض الحالات، بإعادة جزء من الأموال مقابل تسوية قانونية، يبرز نقاش مشروع حول مدى انسجام هذا النهج مع العدالة وحماية المال العام. فإعادة جزء من الأموال إذا حدثت لا تعني بالضرورة جبر الضرر الكامل، ولا تعوض ما لحق بالدولة والمجتمع من خسائر اقتصادية واجتماعية، كما أن حجم الأموال التي قد تكون هُرّبت أو أُخفيت قد لا يكون من السهل التحقق منه بصورة كاملة.
إن هيبة الدولة لا تقوم على استرداد الأموال فحسب، بل على إنفاذ القانون وتحقيق الردع العام. ولذلك يخشى كثير من المواطنين أن يؤدي الإفراط في التسويات، إن لم يكن محكوماً بضوابط صارمة وشفافية كاملة، إلى إضعاف الثقة بمنظومة العدالة، وإرسال رسالة خاطئة مفادها أن الاعتداء على المال العام يمكن أن ينتهي بتسوية، بدل أن يقترن بمساءلة رادعة.
إن أي سياسة لمكافحة الفساد ينبغي أن توازن بين استرداد الأموال، ومحاسبة من تثبت إدانتهم وفق أحكام القضاء، بما يحفظ هيبة الدولة ويصون الحق العام، لأن العدالة لا تكتمل باسترجاع المال وحده، وإنما أيضاً بتأكيد أن القانون يسري على الجميع دون تمييز.
وفي ظل ما يثار في الساحة السياسية من أحاديث عن تفاهمات أو تسويات بين القوى السياسية، يبقى من حق الرأي العام أن يتساءل: هل ستظل قرارات مكافحة الفساد مستقلة وخاضعة للقانون وحده، أم أنها ستتأثر بالتوازنات والاتفاقات السياسية؟ والإجابة عن هذا السؤال لا تكون بالتصريحات، وإنما بالوقائع التي يلمسها المواطن.
إن العراقيين لا يريدون تصفية حسابات سياسية، ولا حملات إعلامية مؤقتة، بل يريدون دولة تحترم القانون، وقضاءً مستقلاً، وهيئات رقابية تعمل بحرية، ومؤسسات لا تخضع لمراكز النفوذ. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ بالشعارات، بل بإرساء مبدأ أن لا أحد فوق القانون.
إن مكافحة الفساد ليست حملة موسمية، بل مشروع وطني طويل يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية، واستقلال قضائي كامل، ومؤسسات رقابية قوية، وإدارة شفافة تجعل المال العام أمانة لا غنيمة.
ويبقى الرهان الأكبر على المستقبل. فإذا لمس المواطن تحسناً في الخدمات، وحماية للمال العام، وإدارة نزيهة، وعدالة تطبق على الجميع، فسيكون ذلك الدليل الحقيقي على نجاح الإصلاح. أما إذا بقيت النتائج محدودة أو انتقائية، فستظل الثقة الشعبية مؤجلة، وسيبقى السؤال قائماً: هل بدأت معركة الفساد فعلاً، أم أننا ما زلنا أمام إعادة ترتيب للمشهد السياسي؟
إن العراق لا يحتاج إلى حملات مؤقتة، بل إلى دولة مؤسسات تجعل النزاهة قاعدة، والمساءلة نهجاً، وسيادة القانون واقعاً لا يستثني أحداً، لأن الأوطان لا تبنى بالتسويات، وإنما تبنى بالعدالة.

قد يعجبك ايضا