العراق بين الذهب وآلام الشعب رحلة التنقيب الكبرى

د.نادية الجدوع
خبير ستراتيجي

“اكتشاف تاريخي… ملابس من ذهب تعود إلى عصور العراق!”
خبرٌ كهذا قد يثير الدهشة لو كان يتعلق بآثار حضارة سومر أو بابل أو آشور، لكن المفارقة أن الحديث اليوم لا يدور عن كنوزٍ استخرجتها بعثةٌ أثرية، بل عن مظاهر ثراءٍ تُنسب إلى شخصيات تتولى مسؤولية تمثيل الشعب، في وقتٍ يرزح فيه ملايين العراقيين تحت وطأة الفقر، والبطالة، وغلاء المعيشة، وتراجع الخدمات.

هنا لا يكون الذهب مجرد معدنٍ نفيس، بل يصبح رمزًا لفجوةٍ عميقة بين واقع المواطن وحياة بعض أصحاب السلطة. فمن جهةٍ، يعيش العراقي رحلةً يومية للبحث عن لقمة العيش، ومن جهةٍ أخرى، تتصدر مظاهر الثراء المشهد العام، وكأن الوطن قد انقسم إلى عراقين؛ عراقٍ يئن تحت ثقل الأزمات، وعراقٍ آخر تغمره مظاهر الرفاهية.

لقد دفع العراقيون أثمانًا باهظة عبر عقودٍ طويلة. حروبٌ لا تنتهي، وإرهاب، ودماء الشهداء، وآلاف الجرحى، وملايين الأرامل والأيتام، وأجيالٌ نشأت على الأمل بأن تكون تضحياتها بوابةً لوطنٍ مزدهر، تُستثمر فيه ثرواته لبناء الإنسان قبل الحجر.

لكن ماذا كانت الحصيلة؟

مصانع أُغلقت أو توقفت عن الإنتاج، وأراضٍ زراعية كانت يومًا سلة غذاء المنطقة تحولت إلى مساحاتٍ مهملة، وشبابٌ يحملون أعلى الشهادات يقفون في طوابير البطالة، ينتظرون فرصة عمل قد لا تأتي.

أما المدارس الحكومية، فما زال كثيرٌ منها يفتقر إلى أبسط مقومات البيئة التعليمية اللائقة، في حين تعاني المستشفيات الحكومية نقصًا في الإمكانات والأدوية والأجهزة، ويجد المرضى أنفسهم بين معاناة المرض وارتفاع تكاليف العلاج. وفي المقابل، ترتفع أسعار العقارات والإيجارات بصورة ترهق الأسرة العراقية، بينما تتآكل القدرة الشرائية أمام موجات التضخم وارتفاع تكاليف الحياة.

وفي المشهد نفسه، تتكرر الأخبار عن هدر المال العام، وملفات فساد، ورشى، وصفقات مشبوهة، وسيارات فارهة، وقصور وعقارات فخمة، في وقتٍ يُطلب فيه من المواطن أن يتحمل المزيد من الصبر والتقشف.

إن المشكلة ليست في الذهب بحد ذاته، ولا في امتلاك أي شخص لمقتنيات ثمينة إذا كانت ضمن إطار القانون ومن مصادر مشروعة ومعلنة. فالقضية الحقيقية هي الشفافية، والمساءلة، والعدالة، واحترام مشاعر شعبٍ ما زال ينتظر ثمار ثروات وطنه.

العراق ليس بلدًا فقيرًا، بل هو من أغنى دول المنطقة بما يمتلكه من النفط والغاز والمياه والأراضي الزراعية والعقول والكفاءات البشرية. غير أن الثروة وحدها لا تصنع دولة، إذا غابت الإدارة الرشيدة، وضعفت الرقابة، وغابت الأولوية لمصلحة المواطن.

إن الوطن لا يُقاس بما يُعرض من مظاهر الثراء، بل بما يقدمه من تعليمٍ كريم، وصحةٍ تحفظ كرامة الإنسان، وفرص عملٍ تليق بالشباب، وعدالةٍ يشعر بها الجميع، ومؤسساتٍ تحمي المال العام قبل أن تحمي أصحاب المناصب.

سيبقى العراقي يتساءل:
كيف لوطنٍ يمتلك كل هذه الخيرات أن يبقى فيه الفقر حاضرًا، والبطالة مرتفعة، والخدمات متعثرة؟ وكيف يمكن أن يطمئن المواطن إلى مستقبل أبنائه إذا اتسعت الفجوة بين إمكانات الدولة وواقع الناس؟

إن المرحلة اليوم تحتاج إلى مشروع وطني حقيقي، عنوانه النزاهة قبل الثراء، والإنتاج قبل الاستعراض، والعدالة قبل الامتيازات، وخدمة المواطن قبل المصالح الشخصية.

فالعراق لا تنقصه الثروات، بل يحتاج إلى إدارةٍ تجعل من هذه الثروات جسورًا للتنمية، لا عناوين للجدل، وإلى دولةٍ يكون فيها المال العام أمانةً مقدسة، والسلطة تكليفًا لا تشريفًا، والمسؤول قدوةً في التواضع وخدمة الناس.

وسيظل الشعب العراقي، رغم كل ما مر به من محن، يؤمن بأن الأوطان لا تُبنى بالذهب، بل تُبنى بالضمير، والعدالة، والعمل الصادق، وأن قيمة المسؤول ليست فيما يرتديه، وإنما فيما يحققه لوطنه وشعبه.

قد يعجبك ايضا