الباحثة السياسية جيهان علو
في الفلسفة السياسية، لا تُقاس خطورة الفساد وحشيةً بحجم الثروات المنهوبة فحسب، بل في قدرته الخبيثة على هندسة الوعي الجمعي، واختلاق خصوم وجوديين وهميين، لإقناع الشارع بأن نزيفه الداخلي سببه جغرافيا أخرى. يقدم العراق اليوم تجسيداً صارخاً لهذه الأرجوحة التضليلية؛ فبينما تتهاوى أوراق شبكات النفوذ العميقة وتتكشف ملفات الفساد البنيوي داخل أحشاء الدولة الاتحادية، يبدو أن عقوداً من شيطنة إقليم كوردستان وجعله مشجباً أبدياً للإخفاق المالي تنهار اليوم أخلاقياً وسياسياً، لتوضع المنظومة بأكملها في قفص الاتهام التاريخي المؤجل.
لم يكن السجال مع إقليم كوردستان يوماً محض خلاف تقني حول أرقام الموازنة أو تأويلاً دستورياً بريئاً لتوزيع الصلاحيات والثروات؛ بل كان استراتيجية تعبئة قومية وسياسية لامتصاص الاحتقان. فكلما ترهل الأداء المالي في المركز وتصاعد الغضب الشعبي، جرى إشهار ورقة الإقليم كـ “متهم جاهز” أرهق الخزينة العامة. ومع كل هزة في السيولة أو تعثر في مشاريع الإعمار، كانت تُعاد صياغة السردية ذاتها: “رواتب موظفي الإقليم هي التي تبتلع موازنة العراق”، في مفارقة مخجلة لبلد يتربع على محيط من الذهب الأسود. وهكذا تم استلاب الوعي العام ليختزل أزمة ريعية شاملة في مستحقات إقليم دستوري، متغافلين عن السؤال الوجودي: كيف لدولة تدفقت عليها منذ عام 2003 إيرادات نفطية ناهزت تريليوناً ونصف التريليون دولار، أن تعجز عن تشييد بنية تحتية بدائية، أو بناء اقتصاد إنتاجي يحمي كرامة مواطنيها؟
إن ما يتكشف اليوم من تحقيقات وتحولات لا يعفي أحداً من وزر المسؤولية، ولا يمنح أربيل حصانة سياسية أو أخلاقية من النقد والمراجعة؛ فالشفافية التزام بنيوي لا يتجزأ بين بغداد وأربيل، والخلل الإداري الداخلي في الإقليم يجب أن يُواجه بشجاعة. لكن الوقائع الراهنة تفرض فضّ هذا الاشتباك التضليلي، والاعتراف بأن الخطاب السياسي الاتحادي استخدم كوردستان لسنوات كدرع بشري وتغطية مثالية لثقوب الفساد الأسود التي كانت تتسع وتبتلع هيكل الدولة في بغداد ومحافظات الجنوب والوسط.
لقد برهنت التجارب السياسية أن الفساد يعيش ويتغذى على الضجيج والشوفينية الاستعراضية؛ إذ كلما ارتفعت حدة التخوين والاتهام ضد الإقليم، تقلصت مساحة المساءلة عن الكوارث الحقيقية. وتحويل كوردستان إلى فزاعة اقتصادية لم يكن سوى مناورة جراحية لإبعاد الأنظار عن أسئلة مصيرية حُظر طرحها: أين تبخرت مئات المليارات؟ كيف تضخمت إمبراطوريات المال السياسي والميليشياوي؟ وكيف تحولت مفاصل الدولة الاتحادية إلى إقطاعيات ريعية لشبكات المحسوبية والاحتكار على مرأى ومسمع الجميع؟
إن الجريمة الكبرى لهذا الخطاب التشويهي لا تكمن في كونه ظلم إقليم كوردستان وحاول خنقه اقتصادياً فحسب، بل في كونه خان العراقيين جميعاً، بعد أن قادهم إلى معارك هوية جانبية مع إخوتهم في الوطن، بينما كانت الدولة تخسر معركتها الوجودية ضد اللصوص الفعليين. إن الكيانات السياسية لا تنهار بسبب تأمين رواتب المعلمين والموظفين في السليمانية وأربيل، ولا بسبب منح الشركاء استحقاقاتهم الفيدرالية، بل تنهار عندما تتحول الموازنة العامة إلى كعكة تتقاسمها قوى اللادولة، وتصبح مؤسسات الرقابة والقضاء رهينة لمراكز القوى المسلحة والسياسية.
لسنا بصدد استبدال مظلومية بأخرى، ولا إنتاج بروباغندا كردية مضادة؛ بل نضع الملح على الجرح لنقر بأن العراق قد استُنزف بالكامل بسبب خطابات كيدية فضّلت صناعة الأعداء على مواجهة البنية المشوهة التي تفرخ الفساد. المعركة التاريخية في هذا البلد لم تكن يوماً بين بغداد وأربيل، ولا صراعاً صفرياً بين العرب والكورد، بل هي مواجهة كبرى ومؤجلة بين دعاة دولة المؤسسات والمواطنة الحقيقية، وبين حيتان السياسة الذين رأوا في هشاشة الهوية الوطنية فرصة مثالية لتكوين إمبراطورياتهم المالية على حساب دماء وجوع جميع العراقيين دون تمييز.
إذ أنّ ضربات المحاسبة الأخيرة وحملات التطهير ستفقد بريقها وتتحول إلى مجرد صراع تصفية حسابات بين الأجنحة المتنفذة إن لم تؤسس لقطيعة معرفية وسياسية مع الحقبة الماضية. قيمتها الحقيقية تكمن في دفن “منطق الشماعات”، وإعادة توجيه البوصلة الوطنية نحو المنبع الحقيقي للخراب؛ نحو منظومة المحاصصة العميقة. أما إذا نجحت هذه المراجعة في فرض منطق الدولة الحقيقية التي تواجه إخفاقاتها بشجاعة قانونية، فإنها ستكون البداية لاسترداد الكرامة المهدورة.
وحينها فقط، سيتصالح الوعي العراقي مع حقيقة واحدة: وهي أن الجرح لم يكن يوماً في كوردستان، ولا في قوت أطفالها وموظفيها، بل في منظومة نهبت وطنًا كان يمتلك من الطاقات والموارد ما يجعله منارة للاستقرار والازدهار، لولا أن إمكاناته قُدّمت قرابين في معبد الفساد، وسوء الإدارة، والصراعات الشوفينية المصطنعة التي ظل المواطن العراقي فيها أول الضحايا وآخرهم.