رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس نيجيرفان بارزاني

تحية طيبة،

تعالَ إلى السليمانية

أكتب إليكم بصفتي مواطناً كوردستانياً يؤمن بأن كوردستان وطنٌ يتسع لجميع أبنائه، وأن المصلحة العامة يجب أن تبقى فوق كل اعتبار سياسي أو حزبي. وفي ظل الظروف الحساسة التي يمر بها الإقليم، أجد من واجبي الوطني أن أتوجه إليكم بهذه الرسالة، انطلاقاً من الحرص على استقرار كوردستان ومستقبلها ووحدة صفها.

فخامة الرئيس،

مرّت فترة طويلة على الانتخابات البرلمانية في كوردستان، إلا أن المؤسسات الدستورية ما تزال تعاني من التعطيل نتيجة استمرار الخلافات بين القوى السياسية. ولم يعد هذا الأمر مجرد تباين في المواقف أو اختلاف في الرؤى، بل أصبح أزمة تنعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين، وتؤثر في ثقتهم بالمؤسسات الديمقراطية التي ناضل شعب كوردستان طويلاً من أجل بنائها وترسيخها.

لقد شارك المواطنون في الانتخابات على أمل أن تكون بداية مرحلة جديدة من الاستقرار والتعاون والشراكة الوطنية، لكنهم يجدون أنفسهم اليوم أمام حالة من الجمود السياسي والتأخير في استكمال الاستحقاقات الدستورية. وهذا الواقع ولّد شعوراً بالإحباط لدى الكثيرين ممن ينتظرون من القوى السياسية أن تضع مصالح المواطنين فوق حساباتها الخاصة، وأن تعمل من أجل معالجة التحديات الاقتصادية والخدمية والمعيشية التي تواجه المجتمع.

إن كوردستان اليوم تواجه تحديات معقدة على المستويات السياسية والاقتصادية والإدارية، فضلاً عن التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة التي تتطلب موقفاً موحداً ورؤية مشتركة بين مختلف الأطراف السياسية. وفي مثل هذه الظروف، فإن استمرار الانقسامات لا يخدم أحداً، بل يضعف قدرة الإقليم على حماية مصالحه ومكتسباته الدستورية، ويؤثر في مكانته السياسية ودوره داخل العراق والمنطقة.

إن المواطنين لا ينتظرون من القوى السياسية أن تتخلى عن برامجها أو قناعاتها، لكنهم ينتظرون منها أن تدرك أن المسؤولية الوطنية تقتضي أحياناً تقديم التنازلات المتبادلة، والبحث عن نقاط الالتقاء بدلاً من توسيع مساحات الخلاف. فالدول والمجتمعات لا تُبنى بمنطق الغلبة، وإنما بروح الشراكة والتفاهم والإرادة المشتركة.

فخامة الرئيس،

تمثلون اليوم رمزاً لوحدة كوردستان واستقرارها، وتحملون مسؤولية وطنية تتجاوز حدود الانتماءات الحزبية. وقد أثبتت تجارب السنوات الماضية أن الحوار كان دائماً أحد أهم الوسائل التي اعتمدتم عليها لتقريب وجهات النظر وتخفيف حدة الأزمات. ولهذا ينظر إليكم كثير من المواطنين بوصفكم الشخصية الوطنية القادرة على إطلاق مبادرة جادة لإخراج العملية السياسية من حالة الجمود الراهنة.

ومن هذا المنطلق، أتوجه إليكم بنداء صادق لإطلاق مبادرة وطنية شاملة تبدأ بزيارة إلى مدينة السليمانية، المدينة التي كانت على الدوام ركناً أساسياً من أركان كوردستان ومركزاً مهماً من مراكز الحياة السياسية والثقافية والفكرية. إن زيارة السليمانية في هذا التوقيت ستحمل رسالة معنوية وسياسية مهمة، وستؤكد أن كوردستان بجميع مدنها ومكوناتها تمثل جسداً واحداً ومصيراً مشتركاً.

إن الحاجة اليوم لا تقتصر على اللقاءات البروتوكولية، بل تتطلب حواراً مباشراً مع مختلف القوى السياسية والاستماع إلى هواجسها ومواقفها والعمل على تقريب الرؤى بينها. فالحوار الصادق وحده قادر على كسر حالة الجمود وإعادة بناء الثقة التي تضررت بفعل استمرار الخلافات والتجاذبات.

السليمانية كما أربيل ودهوك وحلبجة وجميع مدن الإقليم، جزء لا يتجزأ من كوردستان. واستقرار أي مدينة منها هو استقرار للإقليم بأكمله. ولهذا فإن تعزيز الثقة بين الأطراف السياسية في مختلف مناطق كوردستان يجب أن يكون أولوية وطنية في هذه المرحلة الدقيقة.

فخامة الرئيس،

لقد أثبت التاريخ أن قوة كوردستان كانت دائماً في وحدة شعبها وتماسك مكوناتها السياسية والاجتماعية. كما أثبت أن الانقسامات الداخلية كانت في كثير من الأحيان مدخلاً للتدخلات الخارجية ومحاولات التأثير في القرار الوطني. ومن هنا فإن استمرار الخلافات السياسية يحمل مخاطر حقيقية على التجربة الديمقراطية في الإقليم، ويهدد بإضعاف الثقة بالمؤسسات الدستورية التي تمثل أساس الاستقرار السياسي.

إن كوردستان أكبر من أي خلاف سياسي، وأكبر من أي تنافس حزبي. وشعبها يستحق من جميع قياداته أن ترتقي إلى مستوى المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقها. فالمواطن البسيط لا يبحث عن انتصار هذا الحزب أو ذاك، بل يبحث عن الأمن والاستقرار وفرص العمل وتحسين الخدمات وبناء مستقبل أفضل لأبنائه.

ولذلك أتطلع، كما يتطلع كثير من المواطنين، إلى أن تبادروا بجمع مختلف الأطراف تحت مظلة الحوار والتفاهم، وأن تكونوا مرة أخرى صوت الحكمة والعقل في هذه المرحلة الحساسة. فالتاريخ لا يخلّد الذين عمّقوا الانقسامات، بل يخلّد الذين بنوا الجسور بين المختلفين، ووحّدوا الصفوف في الأوقات الصعبة.

وفي نهاية المطاف، لا تُقاس عظمة القادة بعدد سنوات وجودهم في السلطة، بل بما يتركونه من أثر في حياة شعوبهم، وبقدرتهم على حماية الاستقرار وترسيخ الوحدة الوطنية. فالأحزاب مراحل، والمواقف السياسية تتغير، أما الوطن فهو الحقيقة الثابتة التي تبقى فوق الجميع.

إن ما سيبقى في ذاكرة الأجيال القادمة هو أسماء أولئك الذين قدموا مصلحة كوردستان على مصالحهم الخاصة، وسعوا إلى جمع الصفوف وحماية المكتسبات الوطنية وتعزيز الاستقرار. فالوطن هو الباقي، وكل ما عداه عابر.

مع خالص التقدير والاحترام

عطا شميراني

قد يعجبك ايضا