الدکتور سامان سوراني
خبیر العلاقات الدولیة و الدبلوماسية
يشهد الفضاء الجيوسياسي العراقي اليوم تحولاً بنيوياً يتجاوز تكتيكات التهدئة التقليدية، حيث تبدو الحملة القضائية الصارمة التي يقودها رئيس الوزراء علي الزيدي ضد معاقل الفساد الإداري والمالي بمثابة إعادة ترسيم لحدود السيادة والدبلوماسية وسلطة القانون.
إن طموح الزيدي للتحول إلى مهندس حقيقي لهذه المرحلة الانتقالية يضعه أمام استحقاق تدويل أدوات المحاسبة؛ إذ لم يعد تفكيك الحصانات التقليدية لحيتان الفساد شأناً محلياً صرفاً، بل بات مرتبطاً بمدى قدرة بغداد على الامتثال للالتزامات الدولية وتفعيل آليات “اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد” (UNCAC) لاسترداد الأصول المنهوبة والهاربة عبر الحدود.
وجاءت المقاربة الدبلوماسية الأخيرة، المتمثلة في التنسيق الاستخباري والمالي مع واشنطن، لتعطي الاعتقالات الأخيرة التي طالت وزراء ونواباً وقادة حزبيين صبغة الشراكة الاستراتيجية الدولية. إن تزويد بغداد ببيانات دقيقة حول شبكات تهريب النفط وغسيل الدولار يترجم توجهاً حاسماً لمنظومة الحوكمة العالمية لإنهاء “اقتصاد الظل” الذي تغلغل في بنية الدولة العراقية منذ عام 2003، وفرض التزام صارم بمعايير مجموعة العمل المالي (FATF)، كشرط أساسي لضمان أمن الطاقة واستقرار التوازنات في الخليج والشرق الأوسط.
من منظور العلاقات الدولية والقراءة الجيوسياسية لأربيل، فإن هذا الحراك يضع إقليم كوردستان أمام معادلة دقيقة تتطلب دبلوماسية استباقية وحصافة استراتيجية.
فبينما يمثل تفكيك نظام المحاصصة الطائفية مصلحة عليا لبناء دولة مؤسسات حقيقية، فإن تركيز أدوات القوة في يد السلطة الاتحادية بذريعة محاربة الفساد يثير هواجس مشروعة في الأروقة الدبلوماسية حول احتمالية انزلاق النظام نحو “الديكتاتورية العادلة” أو الشمولية المركزية.
بناءً عليه، فإن حماية الكيان الدستوري للإقليم تستوجب تبني خطاب قانوني ومؤسساتي ينأى بكوردستان عن التجاذبات الحزبية والطائفية في بغداد، مع تأكيد دور الإقليم كفاعل مسؤول في المنظومة الأمنية والرقابية عبر غلق كافة الثغرات القانونية ومنع تحول أراضيه إلى ملاذات آمنة للمطلوبين قضائياً.
وفي إطار هندسة العلاقات الاتحادية، ولقطع الطريق أمام أي محاولة لتسييس ملف النزاهة واستخدامه كورقة ضغط دبلوماسية ضد الحقوق الدستورية للإقليم، تبرز الحاجة الملحّة للتوصل إلى بروتوكول تعاون فني وقانوني يجمع الأجهزة الرقابية للاتحاد والإقليم. إن مأسسة لجان مشتركة لإدارة ملفات الجمارك، الحوالات، والتجارة الخارجية تضمن معالجة الأزمات المالية تحت سقف الدستور وبأدوات تكنوقراطية، بعيداً عن مغامرات التدخل العسكري أو الأمني.
بالتوازي مع هذه الدبلوماسية الخارجية، يقدم إقليم كوردستان نموذجاً عملياً مغايراً لإدارة الأزمات وحوكمة الموارد، حيث يبرز الدور الفاعل والمحوري لرئيس حكومة إقليم كوردستان في قيادة دفة مكافحة الفساد وتجفيف منابعه عبر خطوات إجرائية حاسمة بداخل الإقليم. ويتجسد هذا العمل الدؤوب في تلازم مسار النزاهة مع مسار التنمية المستدامة، من خلال تحويل موارد الإقليم مباشرة إلى مشاريع خدمية واستراتيجية تلامس حياة المواطنين اليومية. إن الإصرار على إنجاز وبناء مشاريع البنية التحتية، والطرق، والخدمات الأساسية في مختلف المحافظات يعكس رؤية دبلوماسية وإدارية رصينة تؤمن بأن تحصين الكيان الدستوري يبدأ من تعزيز صمود المواطن وتلبية تطلعاته؛ وهو ما يفرض على المؤسسات المضي قدماً في خطة هيكلية شاملة تشمل الإسراع في رقمنة وأتمتة النظام الضريبي والجمركي، لاسيما في المنافذ الحدودية بمحافظة السليمانية، للحد من التعاملات النقدية وتجفيف منابع غسيل الأموال، بالتزامن مع تفعيل آليات “كشف الذمة المالية” للمسؤولين والشركات عبر هيئة النزاهة لتعزيز الموثوقية الدولية لأربيل.
إن المحك الحقيقي والمؤشر الدبلوماسي الحاسم لجدية الحراك في بغداد سيتجلى بوضوح خلال الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن منتصف الشهر القادم. هناك، ستتضح الخيوط؛ فإما أن نشهد ولادة “الجمهورية الثانية” عبر امتداد المقصلة القانونية لتطال الرؤوس السياسية الوازنة وقادة الفصائل النافذة دون انتقائية، أو سنكون أمام سيناريو “إعادة تموضع” للدولة العميقة لتصفية خصومها تحت غطاء مكافحة الفساد. وفي الحالة الأخيرة، سيفقد المجتمع الدولي اهتمامه بالملف العراقي ليتركه لمصير الفوضى المنظمة، وهو السيناريو الذي يفرض على صاحب القرار الكوردستاني صياغة استراتيجية مرنة، مستندة إلى استقرار الإقليم الداخلي ونجاحاته التنموية، تضمن صيانة الكيان القانوني والدستوري لكوردستان في خضم تشكل النظام الدولي الجديد.