جورجً منصور
كان اللقاء في تورنتو مع الصديق مازن الحسوني القادم من السويد، أشبه باستعادة زمنٍ ظنناه قد ابتعد إلى غير رجعة. التقينا للمرة الأولى وجهاً لوجه، رغم أننا كنا قد تشاركنا، قبل عقود، ساحات النضال في جبال كردستان العراق. لم تجمعنا الخنادق آنذاك في موقع واحد، ولم نتقاسم رغيفاً أو ليلة حراسة، لكننا كنا نسير في الطريق ذاته، نحمل الحلم نفسه، ونواجه النظام الدكتاتوري بالإيمان نفسه، وإن تفرقت بنا الجبال والوديان.
منذ الدقائق الأولى للقاء، سقطت حواجز الغربة. لم نكن نتعارف، بل كنا نستعيد أجزاءً من ذاكرة مشتركة. تحدثنا عن تلك الأيام القاسية التي كان فيها الأمل أكبر من الإمكانات، وكانت الأحلام أوسع من خرائط الوطن. تذكرنا الوجوه التي غيّبها الزمن، والرفاق الذين رحلوا، والذين بقوا يحملون في قلوبهم ندوب تلك المرحلة. ثم انتقل الحديث، من غير تكلف، إلى أحلامنا التي حملناها في سنوات النضال، والتي لم يتحقق منها إلا القليل، بينما بقي معظمها معلقاً بين أمنيات جيلٍ كامل وواقعٍ لم ينصف تضحياته.
اكتشفنا أن همومنا، رغم اختلاف مسارات الحياة، ما زالت واحدة؛ هموم الوطن الذي ما زال يبحث عن استقراره، والإنسان الذي ما زال ينتظر العدالة، والثقافة التي تكافح كي تحافظ على مكانتها وسط ضجيج التحولات. كان لكل منا قصته، لكن القصتين التقتا عند الجذور ذاتها، حيث لا تزال الذاكرة تنبض بما عشناه من آمال وانكسارات.
وكان أجمل ما في ذلك اللقاء أن كلاً منا جاء يحمل ثمرة سنواته الأخيرة. تبادلنا أحدث إصدارينا، وكلاهما ينتمي إلى أدب السيرة، وكأن القدر أراد أن يستكمل الحوار الذي بدأ في الجبال على صفحات الكتب. لم تكن تلك الكتب مجرد مؤلفات، بل كانت شهادات حياة، ومحاولة لإنقاذ الذاكرة من النسيان، وتوثيق مرحلة صنعت مصائر أفراد وأجيال.
عندما أمسكت بكتابه، وشاهدته يتصفح كتابي، شعرت بأننا لا نتبادل نسخاً مطبوعة، بل نتبادل أجزاءً من العمر. كانت صفحات السيرة امتداداً لذلك الطريق الوعر الذي سرنا فيه يوماً، وتحولت الكلمات إلى جسر يربط بين الماضي والحاضر، وبين الحلم الذي لم يكتمل والإيمان الذي لم ينطفئ.
غادرنا اللقاء ونحن ندرك أن بعض الرفاق قد يتأخر لقاؤهم سنوات طويلة، لكنهم حين يلتقون، يختصرون الزمن كله في جلسة واحدة. فهناك تجارب لا يبددها الغياب، وقيم لا يغيّرها مرور السنين، وذاكرة نضال تبقى قادرة على أن تجمع أبناءها، لا ليبكوا ما مضى، بل ليؤكدوا أن ما عاشوه لم يكن مجرد مرحلة عابرة، بل كان جزءاً أصيلاً من تاريخهم، ومن تاريخ وطن ما زال يستحق أن تُروى حكايته.