د.عصام البرّام
لا توجد دولة تطمح إلى تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة من دون أن تضع مكافحة الفساد في مقدمة أولوياتها، لأن العلاقة بين النزاهة والازدهار علاقة وثيقة لا يمكن فصلها. فالاستثمار يحتاج إلى بيئة يسودها القانون، والتنمية تحتاج إلى إدارة كفوءة، والاقتصاد يحتاج إلى مؤسسات قوية وشفافة. وعندما يتسلل الفساد إلى أجهزة الدولة، تتحول هذه المقومات إلى نقاط ضعف، فتتراجع معدلات النمو، وتتضاءل فرص الاستثمار، ويصبح الاقتصاد الوطني عاجزًا عن تحقيق أهدافه مهما توفرت له من موارد وإمكانات.
إن الفساد لا يقتصر على سرقة المال العام، بل يمتد ليبتلع الفرص الاقتصادية التي كان من الممكن أن تخلق آلاف الوظائف، وتحسن مستوى الخدمات، وترفع مستوى معيشة المواطنين. ولذلك فإن خسائر الفساد لا تُقاس فقط بما يختفي من خزينة الدولة، وإنما أيضًا بما يضيع من فرص كان يمكن أن تصنع مستقبلًا أفضل للوطن.
لقد أثبتت التجارب أن الدول التي نجحت في بناء اقتصاد قوي لم تحقق ذلك بفضل ثرواتها الطبيعية فقط، وإنما بفضل وجود مؤسسات تحترم القانون، وإدارات تعتمد الكفاءة، وأجهزة رقابية تمنع استغلال السلطة. أما الدول التي سمحت للفساد بالتوسع، فقد واجهت صعوبات كبيرة في جذب المستثمرين، لأنها فقدت أهم عنصر يبحث عنه رأس المال، وهو الثقة.
الاستثمار لا يزدهر في بيئة يغيب عنها القانون
المستثمر، سواء كان محليًا أم أجنبيًا، لا يبحث فقط عن الأرباح، بل يبحث أيضًا عن الاستقرار والوضوح والعدالة. فهو يريد أن يعلم أن حقوقه ستكون مصونة، وأن العقود ستُحترم، وأن المنافسة ستكون عادلة، وأن الإجراءات الحكومية لن تعتمد على الرشوة أو العلاقات الشخصية.
وعندما تصبح الرشوة وسيلة لإنجاز المعاملات، والمحسوبية طريقًا للحصول على العقود، يشعر المستثمر بأن المنافسة لم تعد قائمة على الكفاءة، وإنما على النفوذ، فيتردد في ضخ أمواله داخل الدولة، أو يفضل نقل استثماراته إلى بيئات أكثر استقرارًا وشفافية.
ولا يتوقف الأمر عند عزوف المستثمرين الجدد، بل يمتد إلى هروب الاستثمارات القائمة، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد الوطني، من خلال انخفاض معدلات الإنتاج، وتراجع الإيرادات، وارتفاع البطالة، وانخفاض فرص العمل، وهو ما يؤدي في النهاية إلى تباطؤ عجلة التنمية.
إن الاقتصاد لا يستطيع أن ينمو في بيئة يسيطر عليها الفساد، لأن الأموال العامة لا تُدار وفق الأولويات الوطنية، وإنما وفق المصالح الخاصة، فتتعطل المشاريع، وتتأخر الخطط التنموية، وترتفع كلفة التنفيذ بسبب التجاوزات وسوء الإدارة.
الفساد يبدد الثروات ويعمق الفجوة الاجتماعية
لا تقتصر آثار الفساد على الاقتصاد الكلي، بل تمتد إلى حياة المواطن اليومية، عندما تتراجع جودة الخدمات الأساسية، وتقل فرص العمل، وتتدهور البنية التحتية. فالمال الذي يُهدر بسبب الفساد كان من الممكن أن يُخصص لبناء المدارس والمستشفيات والطرق ومشروعات الإسكان وشبكات المياه والكهرباء، لكنه يتحول إلى مكاسب غير مشروعة يستفيد منها أفراد على حساب المجتمع كله.
ومع استمرار هذا الوضع، تتسع الفجوة بين الفئات الاجتماعية، لأن الفساد يمنح الامتيازات لمن يمتلك النفوذ، بينما يتحمل المواطن البسيط نتائج سوء الإدارة وغياب العدالة. ويؤدي ذلك إلى زيادة معدلات الفقر، وإضعاف الطبقة الوسطى، وارتفاع مستويات الإحباط، خاصة بين الشباب الذين يجدون أن فرصهم في العمل والترقي لا تعتمد دائمًا على الكفاءة والاستحقاق.
كما ينعكس الفساد على الخدمات العامة، فتتراجع جودة التعليم بسبب ضعف الإنفاق الفعلي على تطوير المؤسسات التعليمية، وتتأثر المنظومة الصحية نتيجة سوء إدارة الموارد، ويصبح تنفيذ المشاريع أقل كفاءة وأكثر تكلفة، وهو ما ينعكس في النهاية على مستوى معيشة المواطنين.
إن التنمية ليست مجرد إنشاء مشاريع جديدة، وإنما هي حسن إدارة الموارد المتاحة، وضمان وصولها إلى مستحقيها، وتحقيق العدالة في توزيع ثمار النمو الاقتصادي. ولذلك فإن أي فساد في إدارة المال العام يعني إهدارًا لفرص التنمية وتأخيرًا لمسيرة التقدم.
الإصلاح الاقتصادي يبدأ بمحاربة الفساد
إن الحديث عن الإصلاح الاقتصادي لا يكتمل من دون الحديث عن الإصلاح الإداري والرقابي، لأن الاقتصاد القوي يحتاج إلى مؤسسات نزيهة تعمل وفق معايير واضحة من الشفافية والمساءلة. ومن هنا، فإن مسؤولية رئيس الدولة، أو رئيس أي مؤسسة، لا تقتصر على متابعة تنفيذ الخطط والمشروعات، بل تمتد إلى البحث المستمر عن الأسباب التي تؤدي إلى السرقات والتجاوزات داخل المؤسسات، والعمل على معالجتها قبل أن تتحول إلى ظاهرة تؤثر في أداء الدولة.
كما ينبغي دراسة الأسباب التي أدت إلى انتشار الرشوة بين بعض الموظفين والمراجعين، والعمل على إزالة العوامل التي تشجع عليها، سواء كانت مرتبطة بتعقيد الإجراءات، أو ضعف الرقابة، أو بطء إنجاز المعاملات، أو غياب المحاسبة، لأن معالجة الأسباب أكثر فاعلية من الاكتفاء بمعالجة النتائج.
وتتطلب مكافحة الفساد أيضًا تطوير الأنظمة الإدارية، وتوسيع نطاق الخدمات الإلكترونية، وتعزيز استقلال الأجهزة الرقابية، وتمكينها من أداء واجباتها دون تدخل أو ضغوط، مع تطبيق القانون على الجميع دون استثناء، لأن العدالة هي الضمان الحقيقي لاستقرار الدولة ونمو اقتصادها.
كما أن نشر ثقافة النزاهة داخل المؤسسات يمثل استثمارًا طويل الأمد في مستقبل الدولة، إذ ينبغي أن يشعر كل موظف بأن الحفاظ على المال العام مسؤولية وطنية، وأن الإخلال بهذه المسؤولية يضر بالمجتمع بأسره، وليس بالمؤسسة وحدها.
إن الإصلاح الحقيقي لا يتحقق بإصدار القوانين فقط، وإنما ببناء ثقافة مؤسسية تقوم على احترام القانون والكفاءة والشفافية، بحيث تصبح النزاهة جزءًا من الأداء اليومي لجميع العاملين في أجهزة الدولة.
لذا، فإن الفساد ليس مجرد قضية مالية أو إدارية، بل هو أحد أكبر المعوقات التي تحول دون تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فهو يطرد الاستثمار، ويهدر الثروات، ويعطل المشاريع، ويضعف المؤسسات، ويقلل من فرص العمل، ويؤثر في مستوى الخدمات التي يتلقاها المواطن. ولذلك فإن بناء اقتصاد قوي يبدأ ببناء دولة قوية تحكمها النزاهة، وتعمل مؤسساتها وفق القانون، وتخضع للمساءلة والرقابة. وعندما تنجح الدولة في تجفيف منابع الفساد، فإنها تفتح الطريق أمام الاستثمار والإنتاج والابتكار، وتوفر بيئة قادرة على تحقيق التنمية المستدامة، وترسخ الثقة بين المواطن والدولة، لتصبح مسيرة البناء أكثر قوة، وأكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
ealbarram@gmail.com