الدكتورة نادية الجدوع
في الماضي، كان الناس ينتظرون قصص الزمان وما تحمله من حكايات الكنوز المفقودة، أو الثروات التي تظهر صدفة، أو العجائب التي تثير الدهشة والاستغراب.
أما اليوم، فقد تغير المشهد. لم تعد العجائب تُروى في كتب التاريخ، بل أصبحت تتصدر نشرات الأخبار وعناوين وسائل الإعلام. مليارات… وترليونات… أرقام فلكية تتردد على مسامع العراقيين حتى باتت جزءاً من المشهد اليومي، بينما يبقى السؤال الأكبر معلقاً في أذهان الجميع:
من أين لك هذا؟
كيف تظهر هذه الثروات الهائلة في بلد ما زال يعاني فيه ملايين المواطنين من الفقر والبطالة، وتراجع الخدمات، وضعف البنية التحتية، وتأخر تنفيذ المشاريع، والحاجة إلى تشريعات وإصلاحات تواكب تطلعات الشعب؟
كيف تتكدس الأموال لدى قلة، بينما يبحث الشباب عن فرصة عمل، ويبحث المواطن عن مستشفى يضمن له العلاج، ومدرسة تليق بأبنائه، وطريق آمن، وخدمات أساسية تحفظ كرامته؟
إن المشكلة ليست في امتلاك الثروة بحد ذاتها، فالإسلام والقانون يكفلان حق الإنسان في الكسب المشروع والعمل والاستثمار. لكن الإشكالية تبدأ عندما تتضخم الثروات بصورة لا تتناسب مع مصادر الدخل المعلنة، وعندما تغيب الشفافية، ويحل الغموض محل الإفصاح، وتضعف أدوات الرقابة والمساءلة.
ومن هنا، فإن عبارة “من أين لك هذا؟”
ليست شعاراً إعلامياً أو سؤالاً شعبوياً، بل هي مبدأ قانوني وأخلاقي يهدف إلى حماية المال العام، وترسيخ قيم النزاهة، وتعزيز ثقة المواطن بمؤسسات الدولة، من خلال إخضاع الجميع لسيادة القانون دون استثناء.
العراق اليوم لا يحتاج إلى سماع المزيد من أخبار المليارات والترليونات، بقدر ما يحتاج إلى رؤية هذه الأموال تتحول إلى مدارس حديثة، ومستشفيات متطورة، وبنى تحتية رصينة، ومصانع منتجة، وفرص عمل تحفظ كرامة الشباب، ومشاريع تنموية تنعكس آثارها على حياة المواطنين.
ومع ما تشهده الساحة العراقية من إثارة ملفات مالية وتحقيقات وقضايا فساد تتصدر المشهد العام، بدا وكأن المنطقة الخضراء تعيش زلزالاً سياسياً؛ زلزالاً لم تصنعه الطبيعة، وإنما صنعته الملفات التي أخذت تتكشف تباعاً. فكلما أُزيح الستار عن قضية جديدة، ارتفعت الأسئلة، واتسعت مطالب الرأي العام بمحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون، واسترداد المال العام، وترسيخ مبدأ أن المنصب العام أمانة لا وسيلة للإثراء غير المشروع.
إن المواطن العراقي لم يعد يبحث عن الإثارة أو تصفية الحسابات السياسية، بل يبحث عن الحقيقة، وعن قضاء مستقل، وإجراءات عادلة وشفافة تكشف الوقائع للرأي العام، وتحقق العدالة دون انتقائية أو استثناء، فسيادة القانون هي الضمانة الحقيقية لبناء الدولة واستعادة ثقة المواطنين.
ويقف العراق اليوم أمام اختبار مصيري؛ فإما أن يتحول هذا “الزلزال” إلى نقطة انطلاق نحو إصلاح حقيقي يعيد للدولة هيبتها، ويحمي المال العام، ويؤسس لمرحلة جديدة من النزاهة والشفافية، وإما أن تبقى المليارات والترليونات مجرد عناوين تتكرر، بينما يظل المواطن ينتظر الإجابة التي طال انتظارها…
من أين لك هذا؟
فإذا كانت الإجابة واضحة، وموثقة، ومستندة إلى القانون، اطمأن المجتمع وتعززت الثقة بالدولة. أما إذا بقي الصمت هو الجواب، وظلت الحقيقة غائبة، فإن علامات الاستفهام ستبقى أكبر من كل المليارات والترليونات، وسيظل السؤال يتردد في ضمير العراقيين جيلاً بعد جيل:
من أين لك هذا؟