د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
3/3
تحريف قصيدة عدي بن زيد وتعويم الذاكرة الساسانية
وفي السياق نفسه يمكن قراءة صعود البرامكة ثم نكبتهم سنة 187هـ / 803م في عهد هارون الرشيد. فالبرامكة، وإن جرى تقديمهم غالبًا بوصفهم عائلة فارسية من بلخ، كانوا في جوهرهم جزءًا من بقايا البيوتات الإدارية والسياسية والثقافية التي ورثت شيئًا من تقاليد الحكم في المجال الساساني الأوسع. ومن هنا لم تكن نكبتهم مجرد صراع داخل البلاط، بل علامة على الريبة العباسية المتزايدة من تلك القوى المشرقية العريقة التي امتلكت خبرة الإدارة والمال والسلطة، وحافظت على امتدادات ثقافية وجغرافية أعمق من التصنيف الفارسي العام.
غير أن هذه الريبة لم تقف عند حدود تصفية الرجال أو إقصاء البيوتات النافذة، بل امتدت لاحقًا إلى تصفية الذاكرة ذاتها: ذاكرة الأسماء، والمدن، والجغرافيا، والأنساب السياسية. فكما جرى فصل الكورد عن جزء واسع من الميراث الساساني والزاغروسي، جرى أيضًا التعامل مع مدنهم وأقاليمهم بالطريقة نفسها؛ تُبدَّل الأسماء، ثم تتحول التسمية اللاحقة إلى حجة على أصل مزعوم.
ومن هنا، فإن من يزعم أن آمد كانت مدينة عربية قديمة، عليه أن يفسر أولًا لماذا ظلت تُذكر باسمها غير العربي في نص جاهلي متصل بالعالم الساساني، ولماذا لم تظهر باسم «ديار بكر» في ذلك السياق. وعليه أن يفسر أيضًا كيف تصبح مدينة زاغروسية، قائمة في قلب المجال الكوردستاني، عربية لمجرد أن سلطة لاحقة غيّرت اسمها أو ألحقتها بتسمية قبلية طارئة.
إن هذه الإشكالية تكشف منهج التحريف بأكمله: لا يبدأ التزوير دائمًا باختراع تاريخ جديد، بل يبدأ أحيانًا بتغيير الاسم، ثم تحويل الاسم الجديد إلى دليل على أصل مزعوم. هكذا جرى التعامل مع آمد؛ تُترك المدينة في مكانها، ثم يُبدل اسمها، ثم يأتي من يقول إن الاسم الجديد دليل على أنها كانت له منذ البداية. وهذه ليست كتابة تاريخ، بل مصادرة للتاريخ باسم التسمية اللاحقة.
إن بيت عدي بن زيد لا يكشف تحريفًا شعريًا فحسب، بل يفتح نافذة على واحدة من أعقد عمليات إعادة كتابة تاريخ المنطقة: إقصاء الكورد من الميراث الساساني، ثم مطالبتهم لاحقًا بإثبات أنهم كانوا جزءًا منه. فالمنطق الذي حوّل «الكورد» إلى «ترك» في بيت شعري، هو ذاته الذي حوّل الساسانيين إلى «فرس» وحدهم، والفهلوية إلى فارسية، والبيوتات الزاغروسية إلى أسماء عامة بلا جذور محددة، وآمد إلى ديار بكر.
وهنا تكمن خطورة هذه السرديات؛ فهي لا تمحو الكورد بالصمت وحده، بل تمحوهم أحيانًا عبر الضجيج: بتضخيم أسماء أخرى، وتعميم هوية واحدة على كل ما هو ساساني، وإدخال أقوام لاحقة في مواضع لا سند تاريخيًا لها فيها، وتعريب المدن بأثر رجعي. وهكذا تُنتزع من الكورد شواهدهم، وتُعاد كتابة جغرافيتهم، ويُعاد توزيع ذاكرتهم على الآخرين، حتى يبدو السؤال عن أدبائهم وفلاسفتهم قبل الإسلام سؤالًا بلا أرضية، مع أن الأرضية كانت هناك؛ لكن أسماءها حُرّفت، وملامحها طُمست، وشواهدها نُقلت إلى غير أصحابها.
لذلك فإن الدفاع عن لفظة «بكُرد» في بيت عدي بن زيد لا ينفصل عن الدفاع عن اسم آمد، ولا عن إعادة قراءة الساسانية بوصفها فضاءً مركبًا لا يجوز اختزاله في «فارس» وحدها. فالذي يسلّم بتحويل الكورد إلى ترك، سيسلّم غدًا بتحويل آمد إلى ديار بكر، والساسانية إلى فارسية، وكوردستان إلى هوامش على خرائط الغالبين.
إن النص القديم هنا لا يحتاج إلى كثير عناء كي ينطق. المدينة تقول: أنا آمد. والسياق يقول: أنا ساساني فهلوي زاغروسي. والبيت يقول: هؤلاء من قرار بلادهم. أما الرواية اللاحقة فهي التي تحاول أن تجعل الكُرد غائبين عن مكانهم، وأن تجعل التاريخ شاهدًا عليهم لا لهم.
ومن هنا يبدأ واجب القراءة النقدية، أن نعيد إلى الكلمة اسمها، وإلى المدينة هويتها، وإلى التاريخ أصحابه. فاستعادة هذا البيت ليست دفاعًا عن لفظة، بل دفاع عن منهج. وليست خصومة مع البحتري بوصفه شاعرًا، بل مساءلة حادة للرواية المتأخرة، وللثقافة التي سمحت بتحويل شاهد كُردي إلى شاهد على غير الكُرد. إنها جزء من معركة أوسع لاستعادة التاريخ الكُردي من بين طبقات التحريف، وردّ النصوص إلى سياقاتها، وفتح السؤال الذي ظل يُراد له أن يبقى محرجًا أو مستحيلًا: هل غاب الأدباء والفلاسفة الكُرد قبل الإسلام، أم جرى تغييبهم؟