مسرور البارزاني: الإصلاح السياسي والإداري وبناء البنية التحتية في زمن الأزمات

عطا شميراني

عندما تولى مسرور البارزاني رئاسة حكومة إقليم كوردستان عام 2019، لم يكن أمامه واقع سياسي أو اقتصادي مستقر يمكن أن يساعده على تنفيذ برامجه الحكومية بسهولة، بل وجد نفسه أمام مجموعة من الأزمات المتراكمة التي كانت تمثل تحدياً حقيقياً لمستقبل الإقليم. فقد جاءت حكومته بعد سنوات من الحرب ضد الإرهاب، وفي ظل تداعيات الاستفتاء والأزمات المالية والخلافات المستمرة مع الحكومة الاتحادية في بغداد، فضلاً عن التحديات الاقتصادية التي كانت تضغط على المنطقة بأكملها. ورغم ذلك، اختارت الحكومة الجديدة أن تتبنى نهجاً إصلاحياً يهدف إلى معالجة المشكلات البنيوية داخل مؤسسات الدولة، ووضع أسس أكثر استقراراً للإدارة والاقتصاد والخدمات العامة.

منذ الأيام الأولى لتشكيل الحكومة، ركز مسرور البارزاني على ضرورة تحديث مؤسسات الإقليم وإعادة تنظيمها بما يتناسب مع متطلبات العصر. وكان يدرك أن التجربة الكوردستانية، التي تأسست وسط ظروف استثنائية وصراعات طويلة، تحتاج إلى مرحلة جديدة تقوم على تعزيز المؤسسات وترسيخ مبادئ الإدارة الحديثة والحوكمة الرشيدة. ولهذا بدأت الحكومة بتنفيذ سلسلة من الإجراءات التي استهدفت تبسيط العمل الإداري وتقليل الروتين والاعتماد المتزايد على الوسائل الرقمية والتكنولوجية في إدارة شؤون الدولة.

وشكل ملف الإصلاح المالي أحد أهم التحديات التي واجهت الحكومة. فقد كانت الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالإقليم نتيجة عوامل متعددة، منها انخفاض أسعار النفط في بعض الفترات، وارتفاع النفقات العامة، والضغوط الناجمة عن استضافة مئات الآلاف من النازحين واللاجئين، فضلاً عن استمرار الخلافات المالية مع بغداد. وفي مواجهة هذه التحديات، سعت الحكومة إلى تنظيم الإيرادات العامة وتعزيز الشفافية ومراجعة آليات الصرف المالي، بهدف ضمان استخدام الموارد المتاحة بأكبر قدر من الكفاءة.

لكن التحدي الأكبر ظهر مع انتشار جائحة كورونا مطلع عام 2020، وهي الأزمة التي أربكت حكومات العالم بأسره وأدخلت الاقتصاد العالمي في مرحلة من الركود وعدم اليقين. ففي وقت كانت حكومة الإقليم تعمل على تنفيذ برامجها الإصلاحية، وجدت نفسها أمام أزمة صحية غير مسبوقة فرضت إجراءات استثنائية لحماية المجتمع. ورغم محدودية الإمكانات مقارنة بدول أكبر وأكثر ثراءً، تمكنت مؤسسات الإقليم من التعامل مع الأزمة بدرجة من التنظيم والمرونة، حيث تم دعم القطاع الصحي وتوسيع قدراته، كما اتخذت إجراءات للحد من انتشار الوباء مع الحفاظ على استمرارية الخدمات الأساسية.

ولم تكد تداعيات الجائحة تبدأ بالتراجع حتى برزت أزمة أخرى تمثلت في ملف رواتب موظفي الإقليم. فقد شهدت العلاقة المالية بين أربيل وبغداد توترات متكررة انعكست بصورة مباشرة على حياة المواطنين. وأصبحت قضية الرواتب واحدة من أكثر القضايا حساسية في المشهد السياسي العراقي، إذ كان مئات الآلاف من الموظفين ينتظرون حلولاً تضمن لهم الاستقرار المعيشي. وفي خضم هذه الظروف، حاولت حكومة مسرور البارزاني إيجاد بدائل وإجراءات داخلية للتخفيف من آثار الأزمة، مع الاستمرار في الحوار مع الحكومة الاتحادية للوصول إلى تفاهمات تحفظ الحقوق الدستورية للإقليم ومواطنيه.

ورغم الضغوط الاقتصادية والسياسية، لم تتوقف مشاريع التنمية والبنية التحتية. بل على العكس، شهدت كوردستان خلال السنوات الأخيرة إطلاق وتنفيذ عدد كبير من المشاريع الاستراتيجية التي استهدفت تحسين نوعية الحياة وتعزيز القدرات الاقتصادية للإقليم. فقد جرى تطوير شبكات الطرق والجسور الحديثة التي تربط المدن والمناطق المختلفة، الأمر الذي ساهم في تسهيل حركة التجارة والاستثمار وتقليل الوقت والجهد في التنقل بين المحافظات.

كما أولت الحكومة اهتماماً كبيراً بمشاريع المياه والخدمات البلدية، حيث نُفذت مشاريع لتوفير المياه الصالحة للشرب وتحسين شبكات التوزيع والصرف الصحي في العديد من المدن والبلدات. ولم يكن الهدف من هذه المشاريع مجرد تقديم خدمات آنية، بل بناء بنية تحتية قادرة على تلبية احتياجات الأجيال القادمة ومواكبة النمو السكاني والتوسع العمراني الذي يشهده الإقليم.

وفي قطاع الطاقة، سعت الحكومة إلى معالجة واحدة من أكثر المشكلات التي عانى منها المواطنون لعقود طويلة، وهي مشكلة الكهرباء. وقد تبنت رؤية تهدف إلى تحقيق استقرار أكبر في تجهيز الطاقة الكهربائية وتطوير الشبكات والمنظومات المرتبطة بها، بما يساهم في دعم الاقتصاد وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.

إلى جانب ذلك، ركزت الحكومة على تنويع الاقتصاد وعدم الاعتماد الكامل على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات. فتم تشجيع الاستثمار في قطاعات الزراعة والسياحة والصناعة والتكنولوجيا، والعمل على توفير بيئة أكثر جاذبية لرؤوس الأموال المحلية والأجنبية. وقد انطلقت هذه الرؤية من قناعة بأن مستقبل كوردستان الاقتصادي لا يمكن أن يبقى مرتبطاً بعامل واحد، بل يحتاج إلى قاعدة إنتاجية متنوعة وأكثر استدامة.

إن الحكم على تجربة مسرور البارزاني لا ينبغي أن يتم من خلال قراءة القرارات اليومية أو الأزمات الآنية فقط، بل من خلال وضعها في سياقها التاريخي الأوسع. فقد تسلم مسؤولية قيادة الحكومة في مرحلة تعد من أكثر المراحل تعقيداً منذ تأسيس إقليم كوردستان، حيث تزامنت الضغوط السياسية مع الأزمات الاقتصادية، وجاءت جائحة كورونا لتضيف تحدياً عالمياً غير مسبوق، فيما استمرت الخلافات المالية والدستورية مع بغداد بإلقاء ظلالها على مختلف مفاصل الحياة العامة.

ومع ذلك، فإن السنوات التي أعقبت عام 2019 شهدت استمرار عملية بناء المؤسسات وتطوير البنية التحتية وإطلاق مشاريع استراتيجية كان من الممكن تأجيلها أو إيقافها تحت ضغط الأزمات. وقد عكست هذه السياسة قناعة راسخة بأن مواجهة الأزمات لا تكون بإدارة تداعياتها فقط، بل بتحويلها إلى فرصة لإعادة بناء الدولة وتعزيز قدرتها على الصمود.

لقد ورث مسرور البارزاني تجربة سياسية تأسست على تضحيات أجيال من المناضلين الكورد، لكنه وجد نفسه أمام مهمة مختلفة عن مهام أسلافه. فالتحدي لم يعد يتمثل في حماية الوجود السياسي للإقليم فحسب، بل في بناء مؤسسات عصرية واقتصاد أكثر تنوعاً وبنية تحتية قادرة على استيعاب متطلبات المستقبل. ومن هنا اكتسب مشروعه الإصلاحي أهمية خاصة باعتباره محاولة للانتقال من مرحلة تثبيت الكيان السياسي إلى مرحلة ترسيخ الدولة والمؤسسات.

وعندما يكتب المؤرخون مستقبلاً عن هذه المرحلة، فإنهم لن يتوقفوا عند حجم الأزمات التي واجهتها حكومة مسرور البارزاني فحسب، بل سيتوقفون أيضاً عند الكيفية التي حاولت بها تلك الحكومة تحويل التحديات إلى فرص، والأزمات إلى مشاريع إصلاح، والضغوط إلى دافع لبناء كوردستان أكثر قوة واستقراراً وثقة بالمستقبل.

قد يعجبك ايضا