حين تُفتح أبواب البرلمان… تُغلق أبواب الأزمة

أحمد زبير باني

حين تتوقف المؤسسات عن أداء دورها، لا يتوقف العمل السياسي فحسب، بل يبدأ الزمن الدستوري بالتآكل. فالدولة لا تنهار دائماً بالحروب، بل قد تُنهكها أيضاً حالة انتظار طويلة، يصبح فيها الفراغ هو الحاكم الفعلي، ويتحول التعطيل إلى واقع يعتاد عليه الجميع. وما أخطر أن تعتاد الشعوب على غياب مؤسساتها، لأن الفراغ إذا طال، يتحول من استثناء إلى قاعدة، ومن أزمة عابرة إلى أسلوب في إدارة الشأن العام.

في هذا السياق، تكتسب رسالة المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني أهمية تتجاوز حدود البيان السياسي التقليدي. فهي ليست مجرد دعوة لعقد جلسة برلمانية، بل دعوة لإعادة الحياة إلى المؤسسات الدستورية، وإرجاع القرار السياسي إلى المكان الذي منحه الشعب شرعيته: برلمان كوردستان.

لقد استنفدت القوى السياسية خلال الأشهر الماضية معظم وسائل الحوار. عُقدت الاجتماعات، وتبادلت الوفود الزيارات، وطُرحت المبادرات، وتوالت الرسائل، إلا أن حالة الانسداد بقيت على حالها. وعندما تستنفد كل الوسائل غير المؤسسية فرصها، يصبح الاحتكام إلى البرلمان ليس خياراً سياسياً فحسب، بل واجباً دستورياً وأخلاقياً يحفظ هيبة النظام السياسي ويعيد الاعتبار لإرادة الناخبين.

إن الاحتكام إلى البرلمان لا يمثل انتصاراً لطرف على آخر، ولا يعد تراجعاً من أي جهة، بل هو انتصار لفكرة الدولة نفسها. فالديمقراطية لا تُقاس بعدد البيانات أو الاجتماعات، وإنما بقدرة مؤسساتها على العمل في الأوقات الصعبة، وبقدرتها على تحويل الخلاف إلى قرار، والتنافس إلى شراكة، والاختلاف إلى ممارسة دستورية تحترم إرادة الشعب.

ومن الإنصاف القول إن الرسالة جاءت بلغة مسؤولة وشاملة، فلم تميز بين كتلة كبيرة وأخرى صغيرة، ولم تدعُ إلى إقصاء أي طرف، بل خاطبت جميع القوى المشاركة في البرلمان بوصفها شركاء في المسؤولية، ودعتها إلى تحمل واجبها الوطني تحت قبة المؤسسة التشريعية. وهذه هي روح الديمقراطية الحقيقية؛ أن يكون الاحتكام للمؤسسات، لا لاستمرار الخلافات خارجها.

إن استمرار تعطيل البرلمان لا يضر بالأحزاب بقدر ما يضر بصورة التجربة الديمقراطية في إقليم كوردستان. فكل يوم يمر دون استكمال المؤسسات الدستورية ينعكس على ثقة المواطن، ويؤخر القرارات التي تمس حياته اليومية، ويضعف قدرة الإقليم على مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تشهدها المنطقة.

وما يجب ألا يغيب عن أذهان الجميع أن المواطن الكوردستاني لم يعد معنيًا بتفاصيل الخلافات بقدر ما يعنيه أن يرى مؤسساته تعمل، ورواتبه تُصرف، وخدماته تتحسن، ومستقبل أبنائه يصبح أكثر استقرارًا. فالسياسة التي لا تنعكس على حياة الناس تتحول إلى جدل نخبوي، بينما جوهر العمل السياسي هو خدمة المواطن وصيانة مصالحه.

ولهذا، فإن تأييد دعوة تفعيل البرلمان ليس انحيازاً لحزب، بل انحياز لفكرة الدولة. فالبرلمان ليس مجرد مبنى تُعقد فيه الجلسات، بل هو عنوان الشرعية، والمكان الذي تتحول فيه الإرادة الشعبية إلى سلطة دستورية، وتُناقش فيه القضايا الكبرى بشفافية ومسؤولية، بعيداً عن منطق التعطيل أو فرض الأمر الواقع.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي تجربة ديمقراطية ليس اختلاف الأحزاب، وإنما اعتيادها على غياب المؤسسات. فحين يصبح تعطيل البرلمان أمراً مألوفاً، يبدأ الناس بفقدان ثقتهم ليس بالأحزاب فقط، بل بفكرة الديمقراطية ذاتها. والدول لا تُبنى على الانتظار، ولا تُدار بالأزمات الدائمة، وإنما بتفعيل مؤسساتها واحترام استحقاقاتها الدستورية.

ولعل الرسالة التي وجهها الحزب الديمقراطي الكوردستاني أعادت التأكيد على حقيقة أساسية مفادها أن لا أحد يستطيع أن يحمي التجربة الديمقراطية وهو يعطل مؤسساتها، وأن قوة أي نظام سياسي لا تُقاس بحجم خلافاته، بل بقدرته على إدارة تلك الخلافات داخل الأطر الدستورية.

إن البرلمان ليس ملكاً لحزب، ولا ساحة لتسجيل الانتصارات السياسية، بل هو بيت الإرادة الشعبية، والمكان الذي تتحول فيه الخلافات إلى حلول، والتنافس إلى مسؤولية مشتركة. وقد تختلف القوى السياسية في رؤاها، لكن لا ينبغي أن تختلف على قدسية المؤسسة التي منحها الشعب شرعية تمثيله.

واليوم، تبدو العودة إلى البرلمان أكثر من مجرد استحقاق دستوري؛ إنها ضرورة وطنية تفرضها مصلحة الإقليم، وتحتمها مسؤولية الجميع أمام المواطنين والتاريخ. فتعطيل المؤسسات لا يصنع حلولاً، وتأجيل الاستحقاقات لا يبني مستقبلاً، أما الحوار تحت قبة البرلمان، فهو الطريق الأقصر لاستعادة الثقة، واستكمال تشكيل المؤسسات، وتعزيز استقرار إقليم كوردستان.

حين تُفتح أبواب البرلمان، لا تُفتح قاعة للاجتماعات فحسب، بل تُفتح نافذة جديدة أمام الأمل، وتبدأ الدولة باستعادة إيقاعها الطبيعي. فالأزمات قد تطول، والخلافات قد تتعقد، لكن الأوطان تبقى قادرة على تجاوز محنها متى ما انتصرت مؤسساتها، وارتفعت المصلحة العامة فوق كل اعتبار.
[6/28/2026 11:33 AM] جواد كاظم: وحين تُفتح أبواب البرلمان… تُغلق أبواب الأزمة.

قد يعجبك ايضا