جامع بارزاني الكبير: معلمٌ حضاري يجسد هوية كوردستان

د. محمد صديق خوشناو

أثار إعلان رئيس حكومة إقليم كوردستان، السيد مسرور بارزاني، عن مشروع جامع بارزاني الكبير اهتمامًا واسعًا، وفتح بابًا للنقاش حول أولويات التنمية. وبينما رأى البعض أن الأولوية يجب أن تتجه إلى التعليم والصحة والخدمات، اعتبر آخرون أن بناء المعالم الحضارية يمثل استثمارًا طويل الأمد في هوية الشعوب ومكانتها بين الأمم.

وفي تقديري، لا يوجد تعارض بين هذين المسارين، فالدول التي نجحت في بناء مستقبلها لم تقتصر على إنشاء المدارس والجامعات والمستشفيات، على أهميتها، بل شيدت أيضًا معالم عمرانية خالدة أصبحت عنوانًا لهويتها، ورمزًا لحضارتها، ورافدًا لاقتصادها من خلال السياحة والاستثمار والثقافة.

ومن هذا المنطلق، فإن مشروع جامع بارزاني الكبير يتجاوز كونه مسجدًا يؤدي رسالة دينية، ليصبح مشروعًا حضاريًا وثقافيًا يمكن أن يعكس أصالة كوردستان، ويبرز هويتها الإسلامية والوطنية، ويضيف إلى سجلها معلمًا معماريًا يليق بتاريخها وتطلعات شعبها.

وتتضاعف أهمية المشروع إذا اقترن بمرافق علمية وثقافية، مثل مكتبة عامة، ومتحف يوثق تاريخ كوردستان، ومركز للدراسات والمؤتمرات، ليكون منارة للعلم والثقافة والحوار، إلى جانب رسالته الدينية، وبما يسهم في تنشيط السياحة، وتوفير فرص العمل، وتحريك الاقتصاد المحلي.

وفي الوقت ذاته، فإن دعم هذا المشروع لا يعني التقليل من أهمية الاستثمار في التعليم أو الصحة أو الخدمات، بل إن التنمية الحقيقية تقوم على التوازن بين بناء الإنسان وبناء المؤسسات وبناء الهوية الحضارية. فالأمم لا تُقاس بما توفره من خدمات فحسب، وإنما أيضًا بما تتركه من إرث حضاري ورموز خالدة تعبر عنها أمام العالم.

إن قيمة المشاريع الكبرى لا تُقاس بحجم الإنفاق عليها عند إنشائها، بل بما تحققه من أثر حضاري واقتصادي وثقافي على المدى البعيد. وإذا نُفذ جامع بارزاني الكبير وفق أعلى المعايير الهندسية والإدارية، فقد يصبح أحد أبرز معالم كوردستان، ورمزًا يجسد تاريخها وثقافتها وطموح شعبها، ويعزز حضورها على الخريطة الحضارية والسياحية في المنطقة والعالم.

إن كوردستان، بتاريخها العريق وثقافتها الغنية، تستحق أن تمتلك معالم حضارية توازي مكانتها، وتُعرّف العالم بإرثها وهويتها. وعندما يتكامل الاستثمار في الإنسان مع الاستثمار في الهوية، تُبنى الأوطان على أسس راسخة، ويصبح التاريخ شاهدًا على أن الحضارة ليست ترفًا، بل أحد مقومات بناء الدول وصناعة مستقبلها.

قد يعجبك ايضا