آناهيتا حمو. باريس
ليس هناك شعب يقبل أن يُحرم من حقوقه إلى الأبد، ولا قضية عادلة يمكن أن تُدفن مهما طال الزمن. فالحقوق لا تسقط بالتقادم، بل تبقى حاضرة في ضمير الشعوب، وتستمد قوتها من إرادة أصحابها ومن المبادئ التي أقرتها الشرائع والمواثيق الدولية.
لقد دفع الشعب الكُردي، عبر عقود طويلة، ثمناً باهظاً من التهميش والصراعات والحروب. ورغم ذلك، ظل متمسكاً بهويته، ولغته، وثقافته، وبحقه في أن يكون شريكاً حقيقياً في تقرير مستقبله وإدارة شؤونه.
لعل المطالبة بالحكم الذاتي أو بالنظام الفيدرالي هي رؤية سياسية يتبناها كثير من الكُرد وغيرهم، وهي تُطرح في دول مختلفة باعتبارها أحد الأطر الدستورية الممكنة لتنظيم العلاقة بين المركز والأقاليم. ويبقى اعتماد أي نموذج من هذا النوع مرهوناً بالحوار السياسي، والتوافق المجتمعي، والإطار الدستوري، بما يحفظ الحقوق والاستقرار لجميع المواطنين.
ولا يمكن الحديث عن مستقبل عادل دون الحديث عن العدالة نفسها. فالفساد، واستغلال السلطة، وحرمان المواطنين من الخدمات الأساسية، وإهدار المال العام، كلها ممارسات تقوض الثقة بالدولة وتزيد من معاناة الناس، بغض النظر عن هوية مرتكبيها أو انتماءاتهم.
إن محاسبة الفاسدين ليست مطلباً سياسياً فحسب، بل هي واجب قانوني وأخلاقي. فلا يجوز أن يبقى من أساء استخدام السلطة بمنأى عن المساءلة، كما لا ينبغي توجيه الاتهامات دون أدلة وإجراءات قضائية عادلة. فالعدالة الحقيقية تقوم على استقلال القضاء، وسيادة القانون، وضمان حقوق جميع الأطراف.
إن الماء، والكهرباء، والخبز، والتعليم، والصحة، ليست امتيازات تمنحها الحكومات متى شاءت، بل حقوق أساسية لكل إنسان. وعندما تُحرم المجتمعات من هذه الحقوق، فإن من حقها أن تعبر عن مطالبها بالوسائل السلمية، وأن تطالب بالإصلاح والشفافية والمساءلة.
إن بناء مستقبل مستقر في روجافا كردستان، وفي عموم سوريا، يتطلب الإعتراف بالتعددية القومية والثقافية، وصون كرامة الإنسان، وإقامة مؤسسات تحاسب المسؤولين، وتحمي الحقوق، وتمنع تكرار المآسي التي عاشتها الشعوب.
فالحرية لا تكتمل دون عدالة، والعدالة لا تستقيم دون محاسبة، والحقوق لا تُصان إلا بدولة قانون تحترم جميع مواطنيها، وتكفل لهم المشاركة في إدارة شؤونهم، وفق ما يتوافقون عليه من أطر دستورية وسياسية.
لنؤمن من جديد:”
أن النور، مهما طال الليل، لا يُهزم.