عبدالكريم يحيى الزيباري
أثينا 323 قبل الميلاد (أنْ تكونَ مرتشياً، يعني حرفيَّاً أنْ تكون عدواً للشعب) هاربالوس خازن مال الاسكندر المقدوني، هربَ إلى أثينا عدوَّة مقدونيا التقليدية، خَطَبَ ديموثينيس في مجلس شيوخ أثينا: نسجن الفاسد ونصادر الــ 700 طالن فضة، أكثر من نصف الدخل السنوي لأثينا. هربَ هاربالوس من سجنه واختفت من خزينة أثينا 350 طالن، جريمة ما زالت تقضُّ مضاجع الغرب!الفساد مشكلة سياسية، إذا فَسَدَ السَّاسة فَسَدَ المجتمع، والناس على دين ملوكها. الفساد عقبة رئيسة أمام “الطريق إلى الدنمارك”. دراسة كتبها مايكل ولكوك مستشار البنك الدولي. نتصدَّر دول الفساد ولدينا فائض مالي 85 مليار دولار؟ بالكاد تدفع حكومة الصومال رواتب هيكلها الوظيفي المترهِّل. هذا احتياطي البنك المركزي من العملة الأجنبية، عند المَسَاس به، تنهار العملة ونلتحق ببيروت التي تعاني الانقسامات عينها والنزاعات عينها بين القادة الفاسدين وانتماءاتهم.
لماذا انتصرَ الفساد وينتصر؟ يقول تعالى (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون) الروم: 41.
ولم يقل بما كَسَبَت أيدي الملوك، أيدي الناس الدَّاعمين للفاسدين، إذا وقعَ فاسدٌ في فخ، انبرت عشيرته وقبيلته للانتقام من المشتكي والمخطط للكمين، طاعةً للشيطان وأولياء الشيطان وعصياناً لأمرِ الله (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ولا تعاونوا عَلَى الاثم وَالْعُدْوَانِ ? وَاتَّقُوا اللَّهَ ? إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) المائدة: 2.
المسؤول الفاسد القصير الأجل الأحمق المتكبر، لا يعرف ينطق جملةً بدون أنا أقدر أنا أقدر، مدعوم من كِبار الفاسدين، أو من الإرهاب، وكتبتُ مقالات كثيرة في الجرائد عن كيفية ذهاب أموال الفساد إلى تنظيم القاعدة الإرهابي، ومنها مقالاً بعنوان (إدارة أزمة وقود) في جريدة الزمان العدد (4100) في 19/1/2012) مَنْ المستفيد من الأزمة؟ القاعدة تطالب بنسبة 10 بالمئة من أيِّ تسريب أو أموال فاسدة لتوظفها في تفخيخ السيارات ودفع مرتبات وإيجارات مقاتليها… وقيادة القاعدة المستعدة لتفخيخ شارعِ بأكمله من أجل حماية موظف فاسد). وعشرات الشكاوى باسمي الصريح ضِدَّ الفاسدين، وأضعافها باسم فاعل الخير، وماذا لَقيتُ منَ القضاءِ وَأعْجَبُهُ أني بمَا أنَا شاكٍ مِنْهُ مغلوبٌ ومهَدَّد ومُطارد وتمَّ تنزيل درجتي من الثالثة إلى السادسة لسنواتٍ عِجاف وصرتُ كحارس المرمَى أتلقَّى العقوبات والتهديدات، أصدُّ تسديدة وتفوتني أخرى. “أُطاعِنُ خَيلاً مِن فَوارِسِها الفسادُ، وَحيداً وَما قَولي كَذا وَمَعي الصَبرُ. وَأَشجَعُ مِنّي كُلَّ يَومٍ سَلامَتي وَما ثَبَتَت إِلّا وَفي نَفسِها أَمرُ”.
وما أسهلَ تلفيق الأدلة في مجتمعٍ يُدمِنُ شهادة الزور كالشاي وقهوة الصباح. والقاضي يهدد المشتكي، وينصحه بالتصالح والرضوخ للواقع الفاسد! ويتعاطف مع الفاسد زُلفى لمسؤوله الفاسد وحزبهِ الحاكم وخوفاً على كرسيِّهِ الضياع ومستقبل أبنائه! وأيُّ مستقبلٍ لكم لا أباً لكم في ظلِّ هذه الجريمة المُنَظَّمة التي تنتشر وفق قاعدة: مَنْ ليس معنا فهو ضِدّنا؟لماذا يَقوى الفساد ولدينا هيأة النزاهة؟ ومئات المحققين بكومبيوترات عتيقة ودعم لوجستي ضئيل، يلاحقون الفاسدين بقوة ونَشَاط لا يكلُّ ولا يمل، وصلاحيات واسعة باستصدار أوامر القبض والاستقدام بسرعة الاتصالات الحديثة. ربما حجم القضايا لا يتناسب مع عدد المحققين المتعبين من شِدَّة الضغوط وتنوعاتها في مجتمعٍ فاسد يشفق على الفاسد إذا وقع في كمينٍ للنزاهة، ويعتبرونها خِيانة لقلوب المسؤولين الفاسدين والناس الداعمين المفتخرين بعلاقاتهم مع الفاسدين.
ماذا تعني سرقة أمانات المديرية العامة للضرائب؟ تعني أنَّ شركةً لا يمكنها أنْ تعمل بدون أنْ تضعَ مبلغاً كبيراً كأمانة ضريبية، يقوم بسحبها حالما تنتهي علاقته بمؤسسات الحكومة، فإذا سُرِقت هذه الأمانات، وزارة المالية تضمن إعادة هذه الأموال لأصحابها. ليست أول ولا آخر فضيحة!