الباحث الحقوقي رنج باراوي*
لعقود طويلة، ظل سؤال «ماذا يريد الكورد؟» يتردد في الأروقة السياسية وشاشات الإعلام العالمية كأنه معضلة مستعصية أو لغز بلا حل، وغالباً ما يطرح المراقبون الخارجيون هذا السؤال بنبرة توحي بالغموض، وكأن المطالب الكوردية نوع من المغامرة السياسية غير واضحة المعالم، لكن في الحقيقة، الإجابة لا تحتاج إلى الكثير من التأويل؛ هي تتلخص في حلم إنساني بسيط، مشروع، وجوهري: الحق في الوجود، العدالة، وتقرير المصير.
إن الكورد، بوصفهم أكبر أمة بلا دولة في العالم، وجدوا أنفسهم في دوامة لا تنتهي من الصراعات والتضحيات منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، عندما تم تقطيع أوصال الشرق الأوسط بموجب اتفاقية «سايكس بيكو»، ولكي نفهم ما يبحث عنه الكورد اليوم، علينا أولاً أن نلامس الجروح التاريخية التي شكلت وعي وهيكل هذه القضية.
الجذور التاريخية للقضية: من (سايكس بيكو) إلى فخ (لوزان).
لفهم الصرخة الكوردية المعاصرة، لا بد من العودة إلى اللحظة التاريخية التي طعنت جسد هذه الأمة قبل أكثر من قرن، ففي عام 1916، وبعيداً عن الأعين، خطت بريطانيا وفرنسا بأقلامهما تفاصيل اتفاقية «سايكس بيكو» السرية، ليرسما خريطة جديدة للمنطقة دون أي اعتبار لإرادة السكان الأصليين، وكانت تلك الخطوة بمثابة التخطيط الهندسي المصطنع الذي تجاهل تماماً الحقائق القومية، اللغوية، والجغرافية، ووضع اللبنة الأولى لتقسيم الكورد.
لاحقاً، في عام 1923، جاءت «معاهدة لوزان» لتطلق رصاصة الرحمة على الآمال والوعود التي تضمنتها «معاهدة سيفر» عام 1920، والتي كانت قد أقرت بحق الكورد في الاستقلال أو الحكم الذاتي، حيث تحولت لوزان إلى مقصلة دبلوماسية للحقوق الكوردية؛ فلم تكتفِ بمحو حلم الدولة فحسب، بل قامت — نزولاً عند المصالح المؤقتة للقوى العظمى وإرضاءً للدولة التركية الفتية آنذاك — بمحو اسم “الكورد” و”كردستان” من النصوص الرسمية، وقُسِّم الوطن إلى أربعة أجزاء وزعت على أربعة كيانات سياسية مختلفة، ومنحت المعاهدة شرعية دولية لأنظمة الإنكار والشوفينية، لتبدأ نتيجتها التراجيدية المتمثلة في قرن كامل من الحروب، التهجير، والإبادات الجماعية.مسارات المطالب: الاستقلال المطلق أم الشراكة الواقعية؟
هنا نصل إلى السؤال الجوهري والحساس: عندما نتحدث عن مطالب الكورد في أجزاء كردستان الأربعة اليوم، هل الهدف هو التأسيس لدولة مستقلة، أم القبول بالبقاء ضمن الدول الحالية في تركيا، إيران، العراق، وسوريا؟ الواقع أن الإجابة تتأرجح دائماً بين الحلم القومي العاطفي والواقعية الجيوسياسية:
الحلم التاريخي والدائم والمتمثل في الدولة المستقلة ينبع من الناحية النفسية، العاطفية، والتاريخية، إذ ليس هناك شك في أن الأغلبية الساحقة من الكورد في الأجزاء الأربعة تحلم — كأي شعب على وجه الأرض — بالاتحاد وإعلان دولة كردستان المستقلة، باعتباره حقاً طبيعياً وقانونياً لتقرير المصير، وقد تجلت ذروة هذه الإرادة الحرة في استفتاء استقلال إقليم كردستان العراق عام 2017، عندما صوت أكثر من 92% من المواطنين لصالح الاستقلال.
أما الواقع السياسي وحراك الأحزاب والمتمثل في الشراكة في الدول القائمة، فيوضح أنه عندما نقرأ الأجندة السياسية والقانونية للقوى الكوردية الرسمية، نجد أنها صيغت بذكاء وفقاً لـ “الممكن السياسي” ومراعاة موازين القوى الدولية، لذا يحمل نموذج الإدارة في كل جزء خصوصية واقعية؛ ففي جنوب كردستان (العراق)، يمتلك الكورد كياناً دستورياً رسمياً معترفاً به وهو إقليم كردستان، وتتركز الاستراتيجية الرسمية هنا على البقاء ضمن إطار عراق فدرالي، ديمقراطي، وملتزم بالدستور، شريطة الحفاظ على حقوقهم القومية، القانونية، ومستحقاتهم المالية. وفي شمال كردستان (تركيا)، يركز الحراك السياسي الكوردي على الحل السلمي والديمقراطي للقضية، والمطالبة بالاعتراف الدستوري بالهوية واللغة الكوردية، وتطوير الإدارة المحلية واللامركزية، وضمان حرية العمل السياسي في إطار تركيا ديمقراطية. بينما في غرب كردستان (سوريا)، يطالب النموذج المطبق حالياً والمتمثل في الإدارة الذاتية بسوريا جديدة تبني نظاماً فدرالياً ولامركزياً، تُصان فيه الحقوق الإنسانية والقومية لجميع المكونات دون المساس بوحدة الأراضي السورية. وفي شرق كردستان (إيران)، تتلخص مطالب القوى السياسية عموماً في إنهاء النظام المركزي القمعي، وترسيخ ديمقراطية حقيقية، وإرساء نظام فدرالي أو حكم ذاتي يضمن حقوق كافة شعوب إيران، ومن بينهم الكورد.
الكورد كبُناة وشركاء حقيقيين في الدولة
ثمة حقيقة جوهرية غالباً ما تسقط من الحسابات في المحافل الدولية، وهي أن الكورد في تاريخ المنطقة الحديث والمعاصر لم يتصرفوا قط كأقلية تبحث عن مكاسب هامشية، بل كانوا بُناة، ومؤسسين، وشركاء رئيسيين في تأسيس الدول والحكومات. ففي العراق، وعند تأسيس الدولة العراقية عام 1921، كانت ولاية الموصل التي تشكل جنوب كردستان العصب الأساسي الذيعزز الكيان الاقتصادي والجغرافي لهذه الدولة الناشئة، وبعد عام 2003، كان الكورد هم المهندسين الرئيسيين لكتابة الدستور العراقي الجديد وإعادة بناء العملية السياسية على أسس الشراكة الحقيقية، التوافق، والتوازن، وبدون دورهم الفاعل لم يكن للعراق الجديد أن يستقر أو ينهض.
وفي تركيا، وخلال بدايات القرن العشرين وإبان حرب الاستقلال التركية، كان الكورد الحليف الحاسم لمصطفى كمال أتاتورك لدحر القوى الأجنبية، بناءً على وعود أتاتورك بتأسيس حكومة مشتركة للأتراك والكورد، وهو ما يثبت أن الجمهورية التركية بُنيت أساساً على أكتاف وتضحيات الكورد، وإن تم التراجع عن تلك الوعود لاحقاً. أما في سوريا وإيران، فقد كان الكورد دائماً في الخطوط الأمامية للحركات الوطنية، والثورات الدستورية، والجبهات المناهضة للديكتاتورية، سعياً لإرساء حكومات عادلة وشراكة وطنية حقيقية تجمع كل المكونات.
شجاعة الكورد: خط الدفاع الأخير عن الحضارة الإنسانية:
عندما يُطرح البديل الاستراتيجي والقيمة العسكرية للكورد اليوم، يبرز بُعدٌ عميق غالباً ما تغفله المقالات التقليدية، وهو أن العالم المتقدم والديمقراطي مدينٌ في استقراره الحالي للشجاعة الكوردية الفائقة، إن الكورد لم يقاتلوا فقط لحماية حدودهم، بل ظهروا كخط الدفاع الأخير عن الحضارة الإنسانية، فعندما كان أعتى تنظيم إرهابي وتكفيري في التاريخ الحديث (داعش) يهدد بابتلاع المنطقة واجتياح العواصم الغربية، وفي الوقت الذي انهارت فيه جيوش نظامية لدول كبرى في غضون ساعات، كانت إرادة البيشمركة والمقاتلين الكورد هي الصخرة الصلبة التي تحطمت عليها أسطورة هذا التنظيم.
لقد قدمت هذه الشجاعة للعالم نموذجاً حداثياً مذهلاً تجسد في المرأة الكوردية التي قادت خطوط المواجهة الأولى؛ وهي ملحمة عسكرية وفلسفية غير مسبوقة غيّرت مفاهيم الاستراتيجية الدفاعية في العالم، وجذبت انتباه كبار فلاسفة وقادة الفكر في الغرب، مؤكدةً أن من يمتلك هذه القدرة على التضحية لحماية الإنسانية، يستحق تماماً أن ينال حريته الكاملة.
ومن هذا المنطلق، عندما يطالب الكورد بحقوقهم اليوم، فهم لا يطلبون منّة أو هبة من أحد، بل يطالبون باستحقاقهم الأصيل، ويركزون مطالبهم الحالية في ثلاثة مبادئ أساسية:
أولاً، الاعتراف الرسمي وحماية الهوية: فقبل كل شيء، يريد الكورد أن يُعترف بهم كأمة ذات تاريخ، لغة، وثقافة مميزة، ولعقود طويلة، كان مجرد التحدث باللغة الكوردية، أو ارتداء الزي القومي، أو تسمية الأطفال بأسماء كوردية أمراً محظوراً في دول المنطقة، ولا يطلب الكورد سوى ألا تُمحى هويتهم، وأن يعيشوا على أرضهم بحرية وكرامة.
ثانياً، حق تقرير المصير والديمقراطية: حيث يطالب الكورد بنظام سياسي عادل، وفي المناطق التي يتواجدون فيها ضمن الدول القائمة، ينادون بالفدرالية، ونبذ المركزية المطلقة، وتطبيق الديمقراطية الحقيقية، إنهم يريدون إدارة قطاعاتهم الاقتصادية، التعليمية، والأمنية بأنفسهم، بعيداً عن التهديد المستمر بالإبادة أو المحو كما حدث في عمليات الأنفال وقصف حلبجة بالأسلحة الكيماوية.
ثالثاً، الاستقرار والشراكة مع العالم: فعلى المستوى الدولي، أثبت الكورد دائماً أنهم عامل استقرار وتسامح، وفي الحرب ضد الإرهاب، برزت القوات الكوردية كشريك رئيسي وموثوق للمجتمع الدولي، ولا يريد الكورد أن ينظر العالم إليهم كحراس للمنطقة في أوقات الشدائد والحروب فقط، بل يتطلعون إلى دعم حقوقهم القانونية، الإنسانية، والدستورية في أوقات السلام أيضاً.
إن المثل الكوردي الشهير «ليس لدينا أصدقاء سوى الجبال» يلخص تاريخاً حافلاً بالخيبات والخذلان عاشه الكورد مراراً وتكراراً على يد القوى العظمى، وما يريده الكورد في عالم اليوم هو تغيير هذه المعادلة؛ يريدون أن يصبح العالم الخارجي صديقاً حقيقياً وموثوقاً، وألا تقتصر الصداقة على الجبال وحدها.
إن سؤال «ماذا يريد الكورد؟» لا ينبغي أن يُنظر إليه كمعضلة بلا حل، أو كتهديد لأمن واستقرار المنطقة، فالكورد لا يريدون خلق حروب جديدة، بل ينشدون السلام، الحرية، وحياة كريمة ينشأ فيها أطفالهم دون خوف من الملاحقة والاضطهاد، إن القضية الكوردية ليست مجرد مسألة خطوط وتوازنات على الخرائط، بل هي سؤال أخلاقي كبير يواجه ضمير المجتمع الدولي: ألم يحن الوقت ليعود الحق لأقدم وأكبر أمة بلا دولة على هذه الأرض، وتُنهى مآسي ما بعد لوزان، ويُقبل الكورد كشريك متساوٍ وذي سيادة وكرامة في هذا الشرق الأوسط؟
*رئیس معهد الاصلاح الجنائي كوردستان العراق
الوثائق والمراجع الرسمية والأكاديمية:
1. الوثائق والمعاهدات التاريخية (Historical Treaties & Documents)
اتفاقية سايكس بيكو (1916): الأرشيف الوطني البريطاني (The National Archives, UK) المتعلق بالاتفاق السري لتقسيم ولايات الدولة العثمانية.
-معاهدة سيفر (10 آب 1920): المواد (62، 63، 64) في الباب الثالث، عصبة الأمم.
-معاهدة لوزان (24 تموز 1923): النص النهائي للمعاهدة، الذي ركز على ترسيم الحدود التركية وتجاهل الشراكة الكوردية.
2. المصادر الأكاديمية والتاريخية (Academic & Books Sources)
كتاب «التاريخ الحديث للكورد» (A Modern History of the Kurds): تأليف المؤرخ ديفيد مكدوال (David McDowall).
-كتاب «الكورد: البحث عن الهوية» (The Kurds: In Search of Identity): تأليف عالم السياسة الدكتور فرهاد إبراهيم.
-كتاب «كردستان في القرن العشرين»: تأليف الدكتور نوري طالباني (تحليل قانوني وتاريخي للمعاهدات الدولية).
3. مراجع شجاعة الكورد ودورهم الاستراتيجي المعاصر (New Strategic References)
بيانات وزارة الدفاع الأمريكية (Pentagon) والتحالف الدولي (2014-2019): تصريحات رسمية صادرة عن القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) التي وصفت قوات البيشمركة وقوات سوريا الديمقراطية بأنها الشريك الأكثر شجاعة وتأثيراً على الأرض في تدمير الخلافة المزعومة لداعش وحماية الأمن العالمي.
-أطروحات الفيلسوف الفرنسي برنار هنري ليفي (Bernard-Henri Lévy): في كتابه وفيلمه الوثائقي الشهير “البيشمركة” (Peshmerga – 2016)، حيث وثّق ميدانياً كيف حارب الكورد نيابة عن العالم الحر وحموا القيم الإنسانية والديمقراطية في الخطوط الأمامية.
-دراسات معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (The Washington Institute): تقارير بحثية حول دور المقاتلات الكوردية والأبعاد السوسيولوجية والعسكرية لتمكين المرأة في كسر العقيدة الظلامية للإرهاب، ومقارنتها بالاستراتيجيات العسكرية التقليدية.
-دستور جمهورية العراق الاتحادية (2005): المادتين (117 و121) اللتين تؤكدان الكيان الفدرالي والقانوني الرسمي لإقليم كردستان كشريك مؤسس للعراق الجديد.