حين تتحول الندوة إلى فعلٍ مدنيّ: خانقين وأسئلة المستقبل العمراني

عباس عبدالرزاق

في المدن التي أنهكتها التحولات السياسية والاقتصادية والخدمية، لا يعود الحديث عن التخطيط العمراني ترفاً مؤسساتياً، بل يصبح سؤالاً وجودياً يتعلق بكيفية العيش، وشكل المدينة، وعلاقة الإنسان بمكانه. ومن هنا تكتسب الندوة التي أقامتها دار الشهيد سلام الثقافي تحت عنوان «الإطار المقترح لتطوير مدينة خانقين» أهمية تتجاوز حدود النشاط الثقافي التقليدي، لتدخل في فضاء التفكير المدني العميق بمستقبل المدينة وهويتها ووظيفتها الاجتماعية.

إن حضور شخصيات هندسية وأكاديمية وخدمية لمناقشة مستقبل خانقين لا يمكن قراءته بوصفه اجتماعاً إدارياً عابراً، بل بوصفه مؤشراً على وعيٍ جمعي بدأ يدرك أن المدن لا تُبنى بالإسمنت وحده، وإنما بالرؤية والمعرفة والإرادة المشتركة. فالمدينة الحديثة ليست مجرد شوارع ومجسرات ومبانٍ، بل هي منظومة معقدة من العلاقات الإنسانية والاقتصادية والثقافية، وكل خلل في تخطيطها ينعكس مباشرة على حياة الإنسان اليومية، وعلى شعوره بالانتماء والأمان والجمال.

لقد جاءت الورقة التي قدّمها المهندس الاستشاري مولوي جبار وهاب لتضع الحضور أمام سؤال جوهري: كيف يمكن تحويل خانقين من مدينة تواجه ضغوط الخدمات والتوسع العشوائي إلى فضاء حضري يمتلك القدرة على النمو المتوازن؟ وهنا تظهر القيمة الحقيقية للندوات التخصصية، لأنها تنقل النقاش من مستوى الشكوى العامة إلى مستوى التفكير العلمي القائم على التخطيط والدراسة وتحليل الاحتياجات.

أما إدارة الدكتور كاميران أحمد للجلسة، فقد عكست أهمية الدور الأكاديمي في خلق حوار عقلاني بين الخبرة الفنية والهمّ المجتمعي، وهو أمر بالغ الأهمية في مجتمعات تحتاج إلى إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة. فالحوار العلمي المفتوح يمنح الناس شعوراً بالمشاركة، ويجعلهم جزءاً من صناعة القرار، لا مجرد متلقين لنتائج السياسات.

ومن الناحية الفلسفية، فإن الاهتمام بتطوير المدينة هو في جوهره اهتمام بالإنسان ذاته. إذ لا يمكن فصل العمران عن الوعي الجمعي؛ فكل مدينة تعبّر عن مستوى الثقافة السائدة فيها، وعن طبيعة علاقتها بالمستقبل. المدن المهملة تنتج عزلة وفوضى وتشظياً اجتماعياً، بينما تنتج المدن المخطط لها شعوراً بالنظام والانتماء وإمكانية الحلم. ولذلك فإن أي مشروع لتطوير خانقين هو، في عمقه، مشروع لإعادة إنتاج الأمل.

كما أن الحضور الواسع للمهندسين وممثلي الدوائر الخدمية والمهتمين بالشأن العام يكشف عن تعطش حقيقي لدى المجتمع للمشاركة في صناعة الحلول، لا الاكتفاء بمراقبة الأزمات. وهذا التحول في الوعي مهم للغاية، لأن التنمية لا تتحقق عبر القرارات الفوقية فقط، بل عبر بناء شراكة بين الخبرة التقنية والطاقة المجتمعية.

إن المدن التي نجحت في العالم لم تتقدم فقط بسبب وفرة الموارد، بل بسبب قدرتها على خلق فضاءات للنقاش والتفكير المشترك. فالندوات التخصصية ليست نشاطات هامشية، وإنما مختبرات للأفكار، ومنها تبدأ التحولات الكبرى. وربما تكمن القيمة الأهم لهذه الندوة في أنها أعادت طرح سؤال المدينة بوصفه مسؤولية جماعية، لا عبئاً حكومياً منفرداً.

وفي زمن تتسارع فيه التحولات الحضرية والاقتصادية، تبدو خانقين بحاجة إلى مثل هذه المبادرات التي تفتح أبواب الحوار العلمي والمهني، وتتيح للأجيال الجديدة فرصة التفكير بمستقبل مدينتهم بلغة التخطيط لا بلغة الأزمات. لأن المدينة التي تناقش مستقبلها علناً، هي مدينة لم تفقد بعد قدرتها على الحياة.

قد يعجبك ايضا