أكرم علي.. صوت الصحافة العراقية بين الخبر والتحليل وصناعة الكلمة

محمد علي محيي الدين

وُلد أكرم علي، واسمه الكامل أكرم علي حسين المحمود، في بغداد عام 1944، في مدينةٍ كانت تعيش تحولات سياسية وثقافية متسارعة، انعكست على وعي جيله وطموحاته، فكان واحدًا من أبناء ذلك الجيل الذي وجد في الصحافة نافذة واسعة على العالم، ومنبرًا للتعبير عن قضايا الوطن والإنسان.

تلقى تعليمه العالي في الجامعة المستنصرية، حيث حصل على شهادة البكالوريوس في اللغة الإنجليزية عام 1967، وهو ما أتاح له لاحقًا أن يجمع بين المعرفة اللغوية والانفتاح على مصادر الإعلام العالمية. وقد شكّل إتقانه للغة الإنجليزية مدخلًا مهمًا لانخراطه في عالم الترجمة الصحفية والعمل الإعلامي متعدد اللغات.

سعى إلى تطوير أدواته المهنية مبكرًا، فالتحق عام 1973 بدورة متخصصة في فن الترجمة الصحفية في المركز الإقليمي لوكالة (رويترز) في بيروت، وهي تجربة أسهمت في صقل مهاراته في صياغة الخبر ونقله بدقة واحتراف. ولم يكتفِ بذلك، بل واصل تعميق خبرته الإعلامية عبر مشاركته في دورتين متخصصتين في الإعلام الجماهيري، إحداهما في وكالة الأنباء البلغارية والأخرى في وكالة الأنباء البولندية، مما أتاح له الاطلاع على مدارس إعلامية متنوعة وأساليب مختلفة في العمل الصحفي.

انطلقت مسيرته المهنية في وكالة الأنباء العراقية، حيث شغل منصب سكرتير تحرير بين عامي 1971 و1981، وهي مرحلة امتدت لعقد كامل من العمل اليومي المكثف، جمع فيها بين الدقة التحريرية والانضباط المهني ومتابعة الشأن الإخباري المحلي والدولي. ثم واصل مسيرته في مجال الصحافة المكتوبة، فشغل منصب مدير تحرير جريدة (العراق) عام 1990، حيث أسهم في إدارة العمل التحريري وتوجيه المحتوى الصحفي في واحدة من أبرز الصحف العراقية آنذاك.

تميّز أكرم علي بقدرته على الجمع بين العمل الخبري والتحليل السياسي، فكتب المقالة الصحفية والتحليل بعمق ورؤية تتجاوز حدود الحدث الآني إلى قراءة أوسع للسياقات السياسية. كما مارس العمل الخبري اليومي باحتراف، متنقّلًا بين تغطية الأحداث المحلية والإقليمية، وموثقًا لحظات سياسية مفصلية في تاريخ المنطقة.

وكان له حضور بارز في تغطية مؤتمرات القمم العربية، والقمم الأفريقية، واجتماعات دول عدم الانحياز، حيث مثّل الصحافة العراقية في محافل دولية مهمة، ناقلًا صورة العراق إلى الخارج، ومواكبًا في الوقت ذاته تطورات السياسة الإقليمية والدولية. وقد عُرف بدقته في نقل الخبر وحرصه على التوازن في الطرح، مما أكسبه احترام الوسط الإعلامي.

ولم يقتصر دوره على العمل الفردي، بل أسهم في إعداد وتأهيل مجموعة من المترجمين والصحفيين الذين أتقنوا التحرير الصحفي، فكان معلمًا غير مباشر لأجيال جديدة من الإعلاميين، نقل إليهم خبرته في الصياغة والترجمة وفهم النص الإعلامي الحديث.

هكذا شكّل أكرم علي نموذجًا للإعلامي الذي جمع بين اللغة والخبرة الميدانية والثقافة السياسية، وبين الانفتاح على العالم والارتباط بالوطن، فكان جزءًا من ذاكرة الصحافة العراقية في مرحلة شهدت تحولات كبيرة، وبقي اسمه حاضرًا في سجل الإعلاميين الذين أسهموا في بناء تقاليد مهنية رصينة في العمل الصحفي العراقي.

قد يعجبك ايضا