فيصل اسماعيل اسماعيل
في تاريخ الشعوب، هناك قادة يشغلون المناصب، وهناك قادة تتحول مسيرتهم إلى جزء من تاريخ شعوبهم. والرئيس مسعود البارزاني ينتمي، بالنسبة إلى كثير من الكورد، إلى الصنف الثاني؛ فقد ارتبط اسمه بمراحل مفصلية من تاريخ الحركة الكوردية، من البيشمركة وثورة أيلول وكولان، إلى العمل السياسي والدبلوماسي وبناء مؤسسات إقليم كوردستان.
فأين تكمن خصوصية مدرسة مسعود البارزاني؟
أولاً، النضال قبل المنصب؛ فقد بدأت تجربته في صفوف البيشمركة، لا في المكاتب السياسية، وهذا منح قيادته شرعية نضالية متراكمة.
ثانياً، القدرة على تحويل الإنتكاسة إلى بداية جديدة. فبعد انتكاسة 1975، لم ينتهِ المشروع، بل أعيد تنظيم الصفوف وانطلقت ثورة كولان.
ثالثاً، الجمع بين البندقية والسياسة. فالنضال لديه لم يكن عسكرياً فقط، بل شمل التفاوض والعلاقات الدولية والعمل المؤسساتي، وهي مهارة ضرورية لقضية تعيش وسط صراعات إقليمية معقدة.
رابعاً، التمسك بالقرار الكوردستاني. فقد حاول، وفق رؤيته السياسية، بناء علاقات مع القوى الإقليمية والدولية من دون تحويل القضية الكوردية إلى مجرد ورقة في صراعات الآخرين.
خامساً، الصبر السياسي والنفس الطويل؛ إذ لم يتعامل مع القضية باعتبارها معركة واحدة، وإنما كمسار تاريخي يحتاج إلى تراكم سياسي ومؤسساتي.
سادساً، الجرأة على اتخاذ القرارات التاريخية. ويأتي استفتاء استقلال كوردستان عام 2017 في مقدمة هذه القرارات؛ وهو قرار يمكن الاختلاف في توقيته ونتائجه، لكنه أعاد قضية تقرير المصير إلى واجهة الاهتمام الإقليمي والدولي.
سابعاً، الرمزية والبعد الإنساني. فارتباطه بتاريخ الملا مصطفى البارزاني والبيشمركة، وحضوره الطويل في مراحل النضال، جعلا منه بالنسبة إلى اغلب الكورد أكثر من مجرد سياسي؛ فهو يمثل امتداداً لذاكرة نضالية كاملة.
ولا يعني ذلك أن مسيرة بارزاني خالية من الأخطاء أو القرارات القابلة للنقد. فالقيادات التاريخية تُقاس أيضاً بقدرتها على مراجعة التجربة والاستفادة من أخطائها. لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن مسعود البارزاني كان أحد أبرز الشخصيات التي أثرت في مسار القضية الكوردية الحديثة.
إن الفرق بين القائد العابر والقائد التاريخي أن الأول يعيش لحظته، بينما يترك الثاني أثراً يتجاوز اللحظة.
ولهذا فإن وصف مسعود البارزاني بأنه «مدرسة نضالية لا تشبه الآخرين» لا ينبغي أن يكون مجرد شعار أو مديح، بل قراءة لمسيرة جمعت بين البيشمركة والسياسة، الصمود والواقعية، القرار القومي والعلاقات الدولية، والنضال وبناء المؤسسات.
ويبقى التحدي الأكبر لهذه المدرسة اليوم ليس فقط الحفاظ على ما تحقق، بل تحويل الإرث النضالي إلى مشروع سياسي كوردستاني أكثر وحدة وقوة وقدرة على مواجهة المستقبل.
فالتاريخ يحفظ القادة، لكنه يحاسبهم أيضاً على ما يتركونه للأجيال من بعدهم.