أكرم الوتري… حين يلتقي القانون بالشعر على وترٍ واحد

محمد علي محيي الدين

في المشهد الثقافي العراقي الحديث، يبرز اسم الدكتور أكرم داود أحمد الوتري بوصفه نموذجًا فريدًا لشخصية جمعت بين صرامة القانون ورهافة الشعر، وبين الدبلوماسية التي تُدار بالعقل، والكتابة التي تُدار بالوجدان. فقد وُلد في بغداد عام 1930 في أسرة عُرفت بمكانتها الاجتماعية والثقافية، ونشأ في بيئة مبكرة أمدّته بحسٍّ لغوي وذائقة أدبية ستتجلى لاحقًا في نتاجه المتعدد.

تلقى تعليمه الأولي في مدارس بغداد، ثم التحق بكلية الحقوق وتخرج فيها عام 1952، فاتجه إلى سلك العدالة مبكرًا، حيث عمل في وزارة العدل، متنقلاً بين مواقع قانونية مختلفة، حتى تدرج في مناصبها. لكن هذا المسار الإداري لم يطفئ جذوة الأدب في داخله، بل ظل يرافقه كظلٍّ لا يفارقه، يكتب القصة تارة، ويجرب الشعر تارة أخرى، وكأن اللغة كانت عنده امتدادًا آخر للقانون، ولكن بلغة القلب لا بلغة النصوص الجامدة.

واصل الوتري مسيرته العلمية فحصل على الدكتوراه في القانون الدولي العام من جامعتي نوشاتيل وجنيف عام 1969، وهو إنجاز أكاديمي عمّق حضوره القانوني على المستوى الدولي. ومنذ ذلك الحين اتسعت مسؤولياته؛ فشغل مناصب رفيعة في الدولة العراقية، من بينها مستشار ثم نائب رئيس مجلس شورى الدولة، كما عمل في السلك الدبلوماسي، وتولى رئاسة الدائرة القانونية في وزارة الخارجية، وترأس وفد العراق إلى مؤتمر قانون البحار لسنوات طويلة امتدت من 1973 إلى 1982، وكان عضوًا في محكمة التحكيم الدولية في لاهاي، فضلًا عن رئاسته للجنة القانونية في جامعة الدول العربية. لقد كان حاضرًا في أهم دوائر القرار القانوني العربي والدولي، بوصفه رجل قانون من طراز رفيع.

غير أن هذه المكانة لم تُبعده عن الأدب، فقد ظل يكتب منذ شبابه المبكر، حيث صدرت له أعمال قصصية لافتة مثل (سعيد رغم الألم) و(الإيمان)، وكان لا يزال في سن مبكرة حينها، مما يكشف عن نضج مبكر في الحس السردي لديه. ثم نشر ديوانه الشعري الوحيد (الوتر الجاحد)، الذي حمل بصمة خاصة في أسلوبه الشعري، حيث تمتزج النزعة التأملية بالتجربة الوجدانية العميقة، وكأن النص عنده محاولة دائمة للإمساك بما يفلت من المعنى.

كما انفتح على الترجمة والفكر العالمي، فترجم أعمالًا مهمة، من بينها نصوص للشاعر الهندي طاغور، كما ترجم (النظرية المحضة في القانون) لهانز كلسن، وهو أحد أهم أعلام الفلسفة القانونية في القرن العشرين، ما يعكس اتساع ثقافته بين الأدب والفكر القانوني المقارن. ولم يكن القانون عنده مجرد مهنة، بل رؤية فلسفية للعالم، تمامًا كما كان الشعر لديه نافذة أخرى لفهم الإنسان.

وقد كتب عنه عدد من الأدباء والنقاد، من بينهم أكرم فاضل وخيري العمري وبلند الحيدري، مشيرين إلى خصوصية تجربته التي لا تنفصل فيها المعرفة القانونية عن الحس الإبداعي. ويرى بعض النقاد أنه من أوائل من اقتربوا من (القصيدة العضوية) في الشعر العراقي الحديث، أي القصيدة التي تتنفس كوحدة حيّة لا تتجزأ، وهو ما يمنح تجربته الشعرية فرادة لافتة.

ويُروى عنه أنه كان شديد التعلق بفكرة الانضباط الداخلي، حتى في الأدب، إذ كان يرى أن الإبداع ليس انفلاتًا، بل بناءٌ محكمٌ تُقيمه التجربة والمعرفة معًا. وقد لخص فلسفته في الحياة ببيت الإمام الشافعي: ((أسلم إذا أراد الله أمرًا… فاترك ما أريد لما يريد))، في دلالة على نزعة تأملية هادئة، تجمع بين الرضا الفكري والتسليم الروحي.

توفي الدكتور أكرم الوتري في بغداد عام 2013، بعد حياة امتدت لأكثر من ثمانية عقود، بقي فيها حاضرًا بين القانون والأدب، وبين الدولة والقصيدة، كصوتٍ هادئٍ يشبه (وترًا) لا يعلو صوته، لكنه يبقى راسخًا في الذاكرة الثقافية العراقية، بما قدّمه من أثر يجمع بين دقة العقل ودفء الإحساس.

قد يعجبك ايضا