محمد علي محيي الدين
في مدينة الموصل، حيث يمتزج التاريخ اليومي بصوت المآذن ورنين الحكايات الشعبية، وُلد أحمد محمد المختار سنة 1932، ليكون واحدًا من أولئك الذين حملوا همّ الكلمة والشعر والتأريخ معًا، فجمع بين روح الشاعر وفضول الباحث ونَفَس المنقب الذي لا يهدأ. هو أحمد محمد المختار بن ملا أحمد بن سلطان بن مبارك بن حسين بن مسلمة الحيالي، ينحدر من أسرة موصلية عُرفت بالالتزام الديني والاجتماعي، وهو ما ترك أثره في تكوينه الأولي وملامح شخصيته الثقافية.
تلقى تعليمه في مدارس الموصل الرسمية، كما نهل من مؤسسات التعليم التابعة للأوقاف، فكان منذ بداياته قريبًا من بيئة تجمع بين المعرفة التقليدية والمدرسة الحديثة. هذا التداخل المبكر بين المرجعيتين شكّل ملامح اهتمامه اللاحق، إذ لم يقتصر على اتجاه واحد، بل ظل متحركًا بين التعليم والعمل الوظيفي والخطابة والشعر، وكأن حياته كانت محاولة دائمة للبحث عن موقع للكلمة في الواقع.
تنقّل في عدد من الوظائف، منها العمل في دوائر الإعاشة في الموصل والنجف، قبل أن يترك الوظيفة ويعود إلى التعليم لفترة، ثم ينصرف عنه لاحقًا ليجد في الخطابة وإمامة بعض جوامع الموصل مجالًا آخر للتعبير والتأثير. غير أن الشعر ظل رفيقه الأول، يطلّ منه منذ شبابه بوصفه مساحة للتنفيس عن الأسئلة الداخلية والانشغالات الفكرية.
في منتصف خمسينيات القرن العشرين أصدر أولى مجموعاته الشعرية (أناشيد الحرمان( سنة 1955، ثم تبعها بديوان (أعاصير الألم( سنة 1956، وفيهما تظهر ملامح تجربة إنسانية مشبعة بالإحساس بالضيق والبحث عن معنى في عالم مضطرب. ولم يكن الشعر عنده معزولًا عن هموم الواقع، بل كان امتدادًا لوعي اجتماعي وسياسي يتفاعل مع تحولات عصره.
لم يتوقف عطاؤه عند الشعر، بل اتجه إلى البحث والتأريخ، فأصدر عمله الموسوعي (تاريخ علماء الموصل) في جزأين عامي 1961 و1962، ثم أعاد طباعته في نسخة ثانية سنة 1984، وهو من أهم أعماله التي تعكس اهتمامه العميق بتوثيق الذاكرة العلمية والدينية لمدينته. كما كتب في الفكر الإسلامي والاجتماعي، ومن أبرز أعماله في هذا السياق كتاب (الإسلام والتفكير الاشتراكي) سنة 1964، الذي حاول فيه مقاربة العلاقة بين المرجعية الدينية وبعض التيارات الفكرية الحديثة.
وإلى جانب التأليف، كان حاضرًا في الصحافة الموصلية، حيث كتب عشرات المقالات، خاصة في جريدة (فتى العراق)، متناولًا قضايا ثقافية واجتماعية وفكرية تعكس انشغاله الدائم بالشأن العام وبأسئلة الهوية والنهضة. وقد عرف عنه نشاطه الثقافي في محافظة نينوى، حيث اكتسب حضورًا في الأوساط الأدبية، رغم ما مرّ به من ظروف معيشية صعبة وفترات من التوتر والسجن بسبب مواقفه ونشاطه القومي.
في مسيرته الواسعة، ظل أحمد محمد المختار صوتًا يجمع بين الشاعر الذي يكتب الألم والحنين، والباحث الذي يوثق ذاكرة مدينته، والخطيب الذي يخاطب وجدان الناس، حتى غدا أحد الأسماء التي ارتبطت بالمشهد الثقافي في الموصل خلال القرن العشرين. وقد ترك عددًا من المؤلفات الأخرى مثل (سبع أغنيات لتموز)، و(أغادير في وهج المعركة) و(لن تتعب البنادق) إلى جانب دراسته عن (جامع الشيخ قضيب البان)، فضلاً عن ديوان شعر لم يُنشر بعد ظل شاهدًا على جانب آخر من تجربته الإبداعية.
وبين القصيدة والبحث والمقال، ظل المختار قريبًا من همّ المدينة والإنسان، يحاول أن يكتب ما لا يُقال بسهولة، وأن يترك في ذاكرة الموصل أثرًا من الكلمات التي لا تنطفئ بسرعة.