الباحث الحقوقي رنج باراوی
قراءة في العقيدة الوطنية، العدالة الاجتماعية، وكاريزما الجنرال بارزاني، ودعم “الباراويين” لنهج البارزاني الخالد.
لا يُقاس التاريخ الحي للشعوب بالمسارات الزمنية العابرة للأحداث، بل بتلك التحولات الجسيمة التي تنقل هوية أمة من مرحلة المحو والتبعية إلى مرحلة الوجود وإثبات الذات. وفي طيات صفحات التاريخ الكوردي المعاصر، لا يبرز اسم الجنرال (الملا مصطفى بارزاني) (1903-1979) كقائد عسكري أو زعيم سياسي فحسب، بل كان الصائغ والمهندس لفلسفة وطنية جديدة؛ فلسفة تمكنت من تحويل الثورة من حركة محلية وإقليمية إلى قضية استراتيجية دولية ومنظمة.
العقيدة الروحية وكرامة الإنسان في مدرسة بارزان
لم تكن رؤية (البارزاني الخالد) لحقوق شعب كوردستان مجرد مطالبة سياسية مجردة، بل كانت ذات عمق إنساني وروحي نابع من التربية الأولى في (الطريقة البارزانية). في هذه المدرسة، لم يكن التدين يعني يوماً القبول بالظلم أو الركود الاجتماعي، بل كان المحرك الأساسي للدفاع عن المظلومين وترسيخ العدالة.
لقد كان بارزاني يرى الإنسانية والوطنية كخطين متلازمين لا ينفصلان، ولذلك حينما كان يوجه خطابه إلى العالم، كان يقول بوضوح: ((نحن لا نحارب أحداً، بل ندافع عن أنفسنا وعن حقوق أمتنا. لا نطالب بحق أحد، بل نطالب بحقنا المشروغ)).
وقد انعكست هذه الرؤية بشكل جلي في قلب الثورة؛ إذ كان حفظ شرف وكرامة المواطن الكوردي خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه بالنسبة للبارزاني. وفي العرف القانوني وتنظيم الثورة، كان يترتب على أي إساءة للمدنيين أو اعتداء على ممتلكاتهم وعقاراتهم عقوبات صارمة. وكانت العدالة تُطبَّق داخل الخنادق والمناطق المحررة بطريقة تذيب أي فارق بين قائد رفيع في الثورة ومواطن بسيط، وهذا ما شكل الركيزة الفولاذية التي خلقت ثقة مطلقة بين الجماهير وقائدهم.
الملحمة التاريخية؛ العبور فوق نهر أراس
يعد العبور التاريخي للبارزاني ورفاقه (نحو 500 بيشمركة) عبر نهر أراس في (حزيران 1947)، واحداً من أندر قصص القيادة وأكثرها خطورة في العالم. فبعد سقوط جمهورية كوردستان في مهاباد واستسلام جزء من القادة، اتخذ بارزاني قراراً استراتيجياً وجودياً: عدم الموت في سبيل الاستسلام والتبعية، بل البقاء والحفاظ على جمرة الثورة من أجل المستقبل.
كانت هذه الخطوة في ذلك الوقت بمثابة رسم للحد الفاصل بين الفناء والبقاء؛ فقد كان بارزاني يعلم أنه إذا ألقى السلاح، فإن أمل أمة في الحرية سينطفئ لعدة عقود. ومن خلال مسيرة أسطورية امتدت لمئات الكيلومترات بين الحدود الجبلية الوعرة والمراقبة بشدة لكل من العراق وإيران وتركيا، وتحت القصف المكثف للجيش الشاهنشاهي، تمكنوا من الوصول إلى نهر أراس والعبور نحو الاتحاد السوفيتي. لم يكن هذا العبور مجرد نجاة لقوة عسكرية، بل كان انتقالاً بمشعل أمل الأمة ليتوهج في مكان آخر.
الرؤية للحوكمة؛ من وعود بغداد إلى بيان 11 آذار
لم يكن البارزاني الخالد يوماً دعاة حرب من أجل الحرب؛ بل كانت رؤيته للحوكمة ترتكز على الشراكة الحقيقية، والديمقراطية للعراق، وحق تقرير المصير للكورد. وعندما عاد من الاتحاد السوفيتي عام (1958)، مد يد التعاون بنية صادقة إلى عبد الكريم قاسم، على أمل أن يجد الدستور العراقي الجديد الذي نص على أن “العرب والكورد شركاء في هذا الوطن”—طريقه إلى التنفيذ. ولكن عندما تراجع قاسم تحت تأثير عقلية الشوفينية المركزية، أطلق بارزاني في (11 أيلول 1961) أعظم ثورة مسلحة ضد استبداد بغداد.
وفي هذه المرحلة، وصل الوعي السياسي للشارع الكوردي إلى ذروته، وتجسد في ذلك الشعار التاريخي: «عبد الكريم پێمان تەزی، نامانەوێت لامەرکەزی، ئەمانەوێت حوکمی زاتی» (أي: “عبد الكريم جعلنا نتجمد/سئمنا منه، لا نريد اللامركزية، نريد الحكم الذاتي”).
ويستوجب هذا الشعار تحليلاً عميقاً من الناحيتين التاريخية والفكرية؛ فعبارة “سئمنا منه” كانت تعبيراً عن ضجر المجتمع الكوردي من سياسة المماطلة وتجميد القضية من قبل المركز. أما رفض “اللامركزية” فكان رسماً لخط فاصل مع رؤية بغداد، لأن الكورد أدركوا أن اللامركزية الإدارية ليست سوى حيلة قانونية للإبقاء على السلطة المطلقة بيد المركز ومنح صلاحيات ضئيلة للمحافظات دون الاعتراف بجوهر قضية أمة.
ومن هنا، كان الهتاف بالمطالبة بـ “الحكم الذاتي” (الأوتونومي) قفزة نوعية كبرى؛ إذ نجح الشعب خلف كاريزما البارزاني في تحويل القضية من مطالب خدمية وإدارية إلى قضية سياسية، جغرافية، وقومية معترف بها.
وبعد سقوط قاسم وصعود نظام البعث بقيادة أحمد حسن البكر، أجبر بارزاني بغداد بفضل قوة البيشمركة والدعم الجماهيري الواسع على الانصياع وتوقيع اتفاقية (11 آذار 1970) التاريخية. وكان هذا أكبر إنجاز سياسي للكورد في التاريخ المعاصر، حيث منح كوردستان كياناً قانونياً.
ولكن السؤال المطروح هو: لماذا لم تتحقق الأهداف بالكامل بعد 11 آذار؟
الحقيقة التاريخية هي أن نظام البعث لم يكن يؤمن في الأصل بحقوق الكورد أو بالديمقراطية؛ بل استخدموا الاتفاقية مجرد تكتيك لكسب الوقت وحشد القوى. وجاء تراجع بغداد عن تنفيذ البنود الأساسية مثل تحديد حدود منطقة الحكم الذاتي (خاصة كركوك)، والمحاولات المستمرة لاغتيال بارزاني نفسه وإدريس بارزاني، وبدء عمليات التعريب، ليقضي تماماً على تلك الثقة.
(شارباژێر) وثقة “بارزان الثاني” في مسيرة الشيخ علي السوره كفداء لنهج البارزاني الخالد
لم تكن الأعمدة الرئيسية لثورات البارزاني مقتصرة على الخطط العسكرية، بل كانت تتمثل في أولئك الرجال العظام والقادة الاجتماعيين الذين شكلوا العمود الفقري للحركة. وفي هذا السياق، فإن الحديث عن تاريخ “عائلة باراوي” في الثورة هو قراءة في الأصالة والتضحية. ويظل اسم المناضل والقائد الكاريزماتي السيد علي الباراوي، المعروف بين الناس والثوار بـ (الشيخ علي سورە باراوي)، مسجلاً كرمز ساطع للوفاء في تاريخ ثورتي أيلول وكولان.
وإلى جانب هذا التاريخ المشرق، برزت الشخصيات الوطنية مثل (الشيخ محمود باراوي، الشيخ محمد باراوي، الملا يوسف، وأبناء الحاج عباس باراوي) وغيرهم، كـ(مناضلين) أصلاء مخلصين لمدرسة البارزاني، ولعبوا دوراً فولاذياً في الثورة وتعزيز النضال في تلك المنطقة وقام شیخ علي بتنظيمهم سابقا في نهج البارزاني الخالد.
وقد تمكن الشيخ علي باراوی، بفضل حنكته المنقطعة النظير ومكانته الروحية وثقته الشخصية، من لعب دور كمثيل له في منطقة شارباجير(شارباژێر) الاستراتيجية (لا سيما في قرى باراو وكولان ومحيطهما). وفي الوقت الذي كان فيه نظام بغداد يسعى لخلق شرخ بين العشائر، كان (الشيخ علي) باراوی المظلة الجامعة للباراويين، واستطاع بحكمته جذب معظمهم إلى قلب ثورة أيلول العظيمة، ومواصلة ذلك النضال لاحقاً في ثورة كولان.
ولم تكن العلاقة بين البارزاني الخالد والباراويين علاقة سياسية أفقية عابرة، بل كانت اندماجاً روحياً وقومياً عميقاً؛ ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن هذه المنطقة، لأن البارزاني الخالد نفسه ونظراً لإخلاصهم النقي، وثباتهم على العهد، وعدم انحنائهم في أوج الضيق والشدائد منحهم وصفاً تاريخياً فريداً حين قال: «باراو، هم بارزان الثاني». لم يكن هذا اللقب مجرد مديح، بل كان أعلى وسام ثقة تمنحه الثورة، ليؤكد أنه لا يوجد فارق بين إخلاص مركز الثورة وعائلة الباراويين المناضلة.
وتتأكد المكانة التاريخية لهذا الرجل وعائلة باراوي بشكل أكبر عندما نرى الكتب التوثيقية والتاريخية المعتمدة، مثل كتاب “ساعة الشيخ محمود الحفيد”، تشير بوضوح إلى الدور المؤثر، والمكانة، والثقل الاجتماعي لل(شيخ علي سورە) باراوي. وهذا دليل على أن اسم هذا المناضل كان دائماً في الخطوط الأمامية للمخلصين الأصلاء للقضية الكوردية.
ورغم أنه كان بمثابة الجندي المجهول في نهج البارزاني الخالد، إلا أن اسمه ودوره يستحقان أن يظلا على كل لسان، وهو الذي ينحدر في الأصل من سلالة الراحلين المغفورین لهم الشيخ رضا الكولاني والشيخ بكر الكولاني .
التكامل الوطني؛ رواد كولان في عاصمة الثقافة وأربيل
لم ينحصر هذا النضال الاجتماعي والوطني لعائلة باراوي وكولاني في جبال (شارباژێر) فحسب، بل امتزج بأعلى مستويات الوعي والخدمة في المدن. ففي مدينة السليمانية (عاصمة الثقافة)، يسطع اسم المناضل والقائد الكاريزماتي (الشيخ بكر الكولاني) كحريص ومساعد مخلص وفولاذي لنهج البارزاني الخالد المقدّس.
كان (الشيخ بكر)، بفضل مكانته وشخصيته الجذابة والكاريزماتية، مظلة حماية ودعماً كبيراً لجميع الباراويين وثوار المنطقة؛ واستطاع بحكمته وإخلاصه في قلب مدينة السليمانية أن يرسخ السيماء الحقيقية للوفاء لنهج البارزاني، ليكون عموداً فقرياً فولاذياً لإبقاء شعلة الثورة متقدة والدفاع عن حقوق شعبه.
وفي نفس المسار، قدم رفيق الدرب التاريخي، (الشيخ رضا الكولاني) الذي نبع من نفس المنبع الوطني الأصيل خدمات جليلة ومنقطعة النظير للمجتمع في مدينة أربيل. ومن خلال عمله ومسؤولياته كـ (معاون) في سلك الشرطة بمدينة أربيل، أصبح الشيخ رضا رمزاً ناصعاً للنهج حزب الدیمقراطي الكوردستاني؛ وبفضل أخلاقه الرفيعة، وعدالته في التعامل، وفتح أبوابه للملهوفين وأصحاب الحاجة، بنى سمعة نقية بين أهالي أربيل.
وشكّل هذا العمل أفضل تكامل للنضال الوطني الذي كان يُقاد من جهة في منطقة (شارباژێر)، ومن جهة أخرى في قلب مدينة السليمانية على يد الشيخ بكر الكولاني لتعزيز أسس نهج البارزاني.
إعصار 1974 والتعامل مع خيانة الجزائر
عندما اندلعت الحرب مجدداً في عام 1974 بسبب العقلية العسكرية لبغداد، واجهت الأمة الكوردية اختباراً جسيماً. وفي هذا المنعطف، ترك مواطنو مدن كوردستان (من معلمين، موظفين، طلبة، نساء ورجال) مدنهم وتوجهوا بأرواحهم وعائلاتهم نحو الجبال. كان هذا النزوح الجماعي بمثابة استفتاء عملي وجماهيري على ثقة الشعب بكاريزما البارزاني وأهداف الحزب.
وفي وسط هذا الإعصار، لعب الوجهاء مثل (الشيخ بكر الكولاني والشيخ رضا الكولاني)، جنباً إلى جنب مع البارزاني الخالد، دوراً أبوياً وريادياً في إيواء، وحفظ كرامة، وتنظيم حياة تلك الحشود الكبيرة من المواطنين الذين صعدوا الجبال خلف أمل التحرر.
ولكن في آذار 1975، عندما اتفق صدام حسين وشاه إيران بإشراف (هواري بومدين) في الجزائر، وتنازل النظام العراقي عن نصف شط العرب في سبيل ضرب الثورة، أظهر البارزاني الخالد حكمة سياسية عليا. لقد نأى بنفسه وبعبه عن تلك اللعبة الإقليمية التي كانت ستؤدي إلى إبادة جماعية شاملة للشعب الكوردي ؛ ولذلك اتخذ قراراً بالايقاف المؤقت للحرب.
لم يكن هذا القرار نهاية المطاف، بل كان تراجعاً تكتيكياً لحماية الإنسان الكوردي ، وهو ما مهد الطريق لاحقاً لاندلاع ثورة كولان التقدمية. لقد كان البارزاني يرى البيشمركة دائماً كـ “روح الأمة” وكان يقول: ((نحن جميعاً مدينون للبيشمركة ولدماء الشهداء؛ فلولاهم لما كان للوطن وجود)).
إن نهج الجنرال (الملا مصطفى بارزاني)، الذي صيغ على أسس الكرامة، العدالة، والهوية القومية، استمر ووصل إلى يومنا هذا بفضل تعاون وتضحيات المناضلين وثقة شعبه. ويعلمنا هذا التاريخ أن القادة الكاريزماتيين لا يخلدون بالنصوص والشعارات فحسب، بل بتلك المدرسة الفكرية والإنسانية الحية التي تتحول فيها الثقة بين الشعب والقيادة إلى خميرة لبقاء الأمة، وتجعل العشائر والشرائح الوطنية مثل “الباراويين” خالدين في ذاكرة الوطن باللقب الرفيع الذي منحه إياهم قائد الأمة: “بارزاني الثاني”.
وسیبقی دور ونضال المغفور معاون الشیخ رضا كولانی خالدا في تاریخ ومسیرة الثوریة مع ابناء عمومته الباراویین في تاریخ حركة التحرریة الكوردیة في جنوب كوردستان والمجد للبارزانی الخالد ونهجه المحفور في اساطیر تاریخ في المنطقة.