حين يتحدث التاريخ من داخل البيوت

بروفيسور حسين علي غالب بابان*

في منتصف بيته الريفي الجميل في صعيد مصر، كان يتحدث معي في مواضيع مختلفة عبر أحد تطبيقات التواصل الاجتماعي، وفجأة وجَّه كاميرا هاتفه المحمول نحو صندوق خشبي قديم جدًا، فسألته بلا تردد عن هذا الصندوق، فأجابني بأنه جهاز راديو..!!
استغربتُ إجابته السريعة وأعدت السؤال مرة أخرى، فأكد لي مجددًا أن ما أراه هو بالفعل جهاز راديو، وأنه موجود في مكانه نفسه قبل ولادته،عندها طلبت منه أن يلتقط صورة للجهاز ويعرضها على أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي، فإذا بالتطبيق يكتشف أن الجهاز من إنتاج شركة «فيلبس» الشهيرة وأن عمره يقارب سبعين عامًا.
أما في مدينة تبوك السعودية، فقد حدثني صديق دراسة عن سيفٍ احتفظ به جده الراحل داخل صندوق زجاجي خاص، وأوصى أبناءه وأحفاده وجميع أقاربه بالمحافظة عليه، لأن هذا السيف يعود إلى جدهم الثامن ويزيد عمره على أربعة قرون.
وفي موريتانيا وطن المليون شاعر، قرأت عن أحد رجال الدين الذي تتلمذ على أيدي عدد كبير من العلماء الأجلاء في مختلف العلوم، وقد ذكر أنه تلقى من أحد شيوخه ألواحًا من جلود الحيوانات كُتبت عليها نصوص بخط اليد، ودعاه الشيخ إلى قراءتها وحفظها كاملة كما أخبره أن ما بين يديه كتابًا قديمًا حفظه و درسه أجيال متعاقبة من طلاب العلم منذ زمن بعيد، وقد جاء دوره الآن ليواصل هذه السلسلة العلمية الممتدة عبر الزمن.
إن بين أيدي الكثيرين كنوزًا لا تُقدَّر بثمن، وربما لا يدرك أصحابها قيمتها الحقيقية، وقد قال أحد المؤرخين إن في الولايات المتحدة متاحف لكل شيء تقريبًا، فهناك متاحف تضم الأجهزة القديمة وأوائل النماذج التي صُنعت منها، وغيرها من المقتنيات التاريخية النادرة، وأضاف أن مجرد البحث في البيوت والمخازن القديمة قد يكشف عن قطع تاريخية جميلة ومحفوظة بحالة ممتازة، تكفي لتأسيس متحف تلو الآخر.
نعم لقد صدق ذلك المؤرخ، فنحن مرتبطون بتاريخنا وأحداثه ولنا جذور ضاربة في أعماق أرضنا، وما نعدّه اليوم أشياء عادية قد يتحول غدًا إلى شواهد ثمينة تروي للأجيال القادمة قصة من قصص الماضي.

*أكاديمي وكاتب كردي مقيم في بريطانيا

قد يعجبك ايضا