الضعيف في صفقات الكبار: قراءة في حكمة الرئيس مسعود بارزاني ودروس التجربة الكوردية

ماهين شيخاني

مقدمة: حكمة تختصر قرناً من التجارب
«الضعيف يكون كبش فداء في صفقات الكبار والأقوياء».
ليست هذه العبارة، المنسوبة إلى الرئيس مسعود بارزاني، مجرد توصيف سياسي عابر، بل يمكن قراءتها بوصفها خلاصة لتجارب تاريخية عاشها عدد من الشعوب التي وجدت نفسها في قلب التنافس الإقليمي والدولي دون أن تمتلك أدوات القوة الكافية لحماية مصالحها. وفي الذاكرة الكوردية على وجه الخصوص، تبدو هذه الحكمة أقرب إلى تفسير متكرر لمحطات من التحالفات المؤقتة التي انتهت بتبدل الأولويات وتغير موازين القوى.
لقد وجد الكورد أنفسهم في أكثر من مرحلة شركاء ميدانيين في صراعات كبرى، لكنهم واجهوا أيضاً تحديات عندما أعيد ترتيب المصالح بين الدول الفاعلة. ومن هنا تنبع أهمية قراءة هذه التجارب بعين نقدية تستخلص الدروس بدلاً من الاكتفاء بإدانة الماضي.
أولاً: السياسة الدولية بين المبادئ والمصالح
يقوم جانب مهم من العلاقات الدولية على مفهوم «الواقعية السياسية»، الذي يمنح الأولوية للمصالح الاستراتيجية والأمنية للدول على حساب الاعتبارات الأخلاقية أو العاطفية. وفي هذا السياق، قد تنشأ تحالفات قوية في مرحلة معينة، ثم تتراجع أو تتغير عندما تتبدل الظروف.
هذه القاعدة لا تخص الحالة الكوردية وحدها، لكنها تركت أثراً بالغاً في التجربة الكوردية بسبب غياب دولة مستقلة تمثل الكورد في النظام الدولي، وبسبب توزعهم الجغرافي بين عدة دول ذات حسابات إقليمية متشابكة.
ثانياً: التجربة الكوردية وتبدل التحالفات
شهد التاريخ الحديث محطات اعتبرها كثير من الباحثين نقاط تحول في العلاقة بين الكورد وبعض القوى الدولية.
من أبرز هذه المحطات ما جرى عام 1975 بعد اتفاقية الجزائر بين العراق وإيران، عندما توقف الدعم الخارجي للحركة الكوردية المسلحة في العراق، وهو ما أدى إلى انهيار سريع في موازين القوى على الأرض. كما أثارت التطورات التي رافقت الانسحاب الأمريكي من أجزاء من المناطق الكوردية في سوريا عام 2019 نقاشاً واسعاً حول حدود الالتزام الأمريكي تجاه شركائه المحليين.
وبغض النظر عن اختلاف التفسيرات السياسية لهذه الأحداث، فإنها رسخت لدى قطاعات واسعة من الكورد قناعة مفادها أن التحالفات الدولية قد تكون مؤقتة، وأنها تخضع لإعادة التقييم كلما تغيرت المصالح الاستراتيجية للدول الكبرى.
ثالثاً: لماذا تكون الشعوب غير الممثلة دولياً أكثر عرضة للمخاطر؟
تكشف التجربة الكوردية عن مجموعة من العوامل التي تزيد من هشاشة أي طرف في مواجهة التحولات الدولية:
غياب كيان سيادي يمتلك تمثيلاً دبلوماسياً كاملاً في المؤسسات الدولية.
وقوع مناطق النفوذ ضمن بيئة جيوسياسية تتنافس عليها قوى إقليمية ودولية متعددة.
الاعتماد المفرط على الضمانات الخارجية بدلاً من بناء عناصر القوة الذاتية.
الانقسامات السياسية الداخلية التي تضعف القدرة على التفاوض وتوحيد المواقف.
ولا تعني هذه العوامل أن التخلي عن الحلفاء أمر حتمي، لكنها تجعل تكلفة التخلي عنهم أقل بالنسبة إلى صناع القرار في الدول الكبرى عندما تتغير أولوياتهم.
رابعاً: بين الاستفادة من التحالفات والاعتماد عليها
تقدم التجربة الكوردية درساً مهماً مفاده أن التحالفات الخارجية يمكن أن تكون ضرورية في ظروف معينة، لكنها لا تكفي وحدها لضمان الحقوق أو تحقيق الأهداف بعيدة المدى.
فالتحالف الناجح يحتاج إلى قاعدة داخلية متينة تتمثل في:
مؤسسات قوية وقادرة على الاستمرار.
رؤية سياسية واضحة وموحدة.
اقتصاد أكثر استقلالية.
توافق وطني يقلل من أثر الانقسامات.
قدرة على إدارة العلاقات الخارجية وفق مبدأ المصالح المتبادلة لا التوقعات المطلقة.
خامساً: من الذاكرة إلى المستقبل
قد يكون أهم ما تقدمه حكمة الرئيس مسعود بارزاني أنها تدعو إلى قراءة الواقع كما هو، لا كما نتمنى أن يكون. فالسياسة الدولية ليست ساحة تحكمها العواطف بقدر ما تحكمها حسابات القوة والمصلحة.
ومن هنا، فإن أفضل استجابة للتجارب الصعبة ليست الانعزال عن العالم ولا رفض التحالفات، بل بناء شراكات تقوم على وضوح المصالح، مع الاستثمار المستمر في عناصر القوة الذاتية والوحدة الداخلية والقدرة على اتخاذ القرار المستقل.
خاتمة: القوة ليست بديلاً عن الدبلوماسية بل سند لها
إذا كان الضعف يجعل بعض الشعوب عرضة لأن تكون ضحية لتسويات الآخرين، فإن القوة لا تعني فقط امتلاك السلاح، بل تعني أيضاً امتلاك المؤسسات، والشرعية، والاقتصاد، والقدرة على التفاوض من موقع أكثر توازناً.
إن الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من التجربة الكوردية ليس أن العالم لا يعرف الوفاء، بل أن الوفاء وحده لا يصنع السياسات. ففي نهاية المطاف، تبقى مصلحة أي شعب مرتبطة أولاً بقدرته على بناء وحدته الداخلية، وتعزيز مؤسساته، وإدارة تحالفاته بواقعية واستقلالية.
وعندها فقط تقل احتمالات أن يتحول إلى «كبش فداء» في صفقات الآخرين، ويزداد حضوره بوصفه شريكاً يصعب تجاوز مصالحه أو تجاهلها.

قد يعجبك ايضا