محمود محمد الصميدعي
لم تعد معضلة الاقتصاد العراقي مرتبطة بندرة الموارد بقدر ما أصبحت مرتبطة بوضوح الرؤية واستمرارية الإصلاح.
فالعراق يمتلك ثروات طبيعية كبيرة وموارد بشرية واعدة وموقعًا جغرافيًا يمنحه فرصًا اقتصادية مهمة إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه المقومات إلى اقتصاد منتج قادر على تحقيق الاستقرار والنمو المستدام.
خلال السنوات الماضية شهد السوق العراقي حالة من التذبذب بين تدخلات جزئية وسياسات غير مكتملة ما أضعف القدرة على التخطيط طويل الأمد لدى المستثمرين والقطاع الخاص وأوجد بيئة اقتصادية تتسم بارتفاع مستويات المخاطرة وتراجع الثقة بالمسارات التنموية طويلة الأجل.
ورغم أن العراق يُعد من الدول النفطية الكبرى إذ لا تزال الإيرادات النفطية تشكل النسبة الأكبر من موارد الموازنة العامة فإن مساهمة العديد من القطاعات الإنتاجية في النشاط الاقتصادي ما زالت دون المستوى المطلوب الأمر الذي جعل الاقتصاد أكثر تأثرًا بتقلبات أسواق الطاقة العالمية وأسعار النفط.
إن أي إصلاح اقتصادي حقيقي لا يبدأ بزيادة الإنفاق أو إطلاق مبادرات مؤقتة بل بإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والسوق.
فالدولة ليست مطالبة بالانسحاب الكامل من النشاط الاقتصادي كما أنها ليست مطالبة بإدارته بصورة مباشرة بل بدور أكثر فاعلية يقوم على وضع الأطر التنظيمية وتعزيز المنافسة العادلة وتحفيز الاستثمار وتوجيه الموارد نحو القطاعات القادرة على تحقيق قيمة مضافة حقيقية.
وفي هذا السياق يواصل البنك المركزي العراقي أداء دور مهم في الحفاظ على الاستقرار النقدي وتعزيز الثقة بالنظام المالي من خلال إدارة السياسة النقدية والمحافظة على استقرار السوق المالية.
إلا أن الاستقرار النقدي على أهميته لا يكفي وحده لبناء اقتصاد متين ما لم يترافق مع إصلاحات هيكلية تعالج جذور الاختلالات الاقتصادية وتدعم مسارات التنمية طويلة الأمد.
وتبرز في هذاالإطار مجموعة من التحديات المزمنة في مقدمتها الاعتماد المفرط على الإيرادات النفطية ومحدودية مساهمة الصناعة والزراعة في الناتج الاقتصادي وضعف التمويل التنموي واتساع الاعتماد على السلع المستوردة إلى جانب التحديات المرتبطة بالبيروقراطية وتعقيد الإجراءات الإدارية التي تؤثر على بيئة الأعمال والاستثمار.
كما أن تنمية رأس المال البشري تمثل أحد المفاتيح الأساسية للإصلاح الاقتصادي.
فالتنمية لا تُقاس بحجم الموارد فقط بل بقدرة الدولة على إعداد كوادر مؤهلة تمتلك المهارات التي يحتاجها سوق العمل من خلال تطوير التعليم والتدريب المهني والتقني وربط مخرجاته بالاحتياجات الفعلية للاقتصاد الوطني.
الإصلاح الاقتصادي لا يتحقق بإعلان الأهداف فقط بل بتحويلها إلى أدوات تنفيذ واضحة وبرامج قابلة للقياس والتقييم. ويمكن أن تبدأ الأولويات من أربعة مسارات رئيسية:
أولًا: تنويع القاعدة الاقتصادية
من خلال توسيع مساهمة القطاعات غير النفطية وتوجيه الإنفاق العام نحو المشاريع القادرة على خلق قيمة مضافة وفرص عمل مستدامة بما يعزز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية وتقلبات أسعار النفط.
ثانيًا: تحفيز الإنتاج المحلي
عبر دعم الصناعة والزراعة بسياسات تمويل وتشغيل فعالة وتوفير الحوافز الإنتاجية المناسبة إلى جانب تطوير السياسة التجارية بما يحقق التوازن بين حماية المنتج الوطني والحفاظ على تنافسية السوق.
ثالثًا: إصلاح القطاع المالي والمصرفي
من خلال توسيع التمويل الإنتاجي وتعزيز الشمول المالي وتطوير الخدمات المصرفية الرقمية ورفع كفاءة توجيه رؤوس الأموال نحو الأنشطة الاقتصادية الحقيقية بدل التركّز في الأنشطة قصيرة الأجل والمضاربات.
رابعًا: تحسين بيئة الاستثمار والتحول الرقمي
عبر تبسيط الإجراءات الإدارية وتقليل البيروقراطية وتطوير البنية التحتية الرقمية وتوفير بيئة قانونية وتنظيمية مستقرة تشجع الاستثمارات المحلية والأجنبية على الدخول في مشاريع إنتاجية طويلة الأمد.
ولا يمكن لأي إصلاح اقتصادي أن يحقق أثرًا مستدامًا دون قطاع خاص قوي وقادر على الاستثمار والتشغيل والابتكار ضمن بيئة أعمال واضحة القواعد ومستقرة السياسات.
فالقطاع الخاص ليس مجرد شريك في التنمية بل يمثل أحد أهم محركات النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل.
إن استمرار تأجيل الإصلاح لا يؤدي إلى تجميد المشكلات القائمة بل يرفع كلفتها الاقتصادية والاجتماعية مع مرور الوقت ويُبقي الاقتصاد في دائرة الاستجابة للمتغيرات بدلاً من امتلاك القدرة على صناعتها والتأثير فيها.
واليوم لا يحتاج العراق إلى المزيد من التشخيص بقدر حاجته إلى وضوح الأولويات وثبات التنفيذ وإلى إرادة اقتصادية قادرة على الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة صناعة التنمية.
قرار اقتصادي استراتيجي ينقل البلاد من الاعتماد إلى الإنتاج ومن الاستهلاك إلى القيمة المضافة ومن التقلب إلى الاستدامة.
ويبقى السؤال الحاسم:
هل تكون هذه المرحلة بداية إصلاح اقتصادي حقيقي يؤسس لاقتصاد أكثر تنوعًا وقدرة على النمو؟
أم أنها ستكون امتدادًا لسياسات إدارة الأزمة بأدوات مختلفة دون معالجة جوهر التحديات القائمة؟
وفي الختام:
التحدي لم يعد في معرفة ما يجب فعله بل في القدرة على تحويل الرؤية إلى سياسة والسياسة إلى برامج والبرامج إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن وتنعكس على مستقبل الاقتصاد الوطن.