هل يقود إسقاط قسد إلى انهيار الدولة السورية وتمزيقها أم أنه أضاع فرصة تاريخية لبناء شراكة تنقذ سوريا؟
آراس اليوسف*
يرى كثيرون أن إنهاء دور قوات سوريا الديمقراطية” قسد” يمثل خطوة نحو توحيد سوريا واستعادة سلطة الدولة على كامل أراضيها. لكن من زاوية أخرى، يمكن النظر إلى ما جرى باعتباره خسارة لأحد عناصر التوازن الداخلي التي ساهمت، بشكل مباشر أو غير مباشر، في منع تفاقم أزمات الدولة السورية. ومن هذا المنطلق، فإن إسقاط قسد قد لا يؤدي إلى تعزيز استقرار سوريا، بل ربما يسرع من أزمة الدولة وحكومة أحمد الشرع، ويفتح الباب أمام تحديات أمنية واقتصادية وسياسية قد تهدد وحدة البلاد على المدى الطويل.
خسارة عنصر مهم في توازن القوى داخل سوريا
مثّلت قسد خلال السنوات الماضية قوة عسكرية وسياسية منظمة تمتلك مؤسسات أمنية وإدارية وخبرة طويلة في إدارة مناطق واسعة من شمال وشرق سوريا. ووجودها شكّل عامل توازن أمام تمدد القوى الأخرى، وخاصة الفصائل المرتبطة في تركيا، لكنه ومع إنهاء دور قسد، توسع نفوذ الفصائل التابعة للجيش الوطني السوري، والتي ترتبط عملياً بأنقرة أكثر مما ترتبط بمؤسسات الدولة السورية. وبالتالي فإن النتيجة قد تكون تعزيز النفوذ التركي داخل سوريا بدلاً من تعزيز سلطة الدولة.
وهنا، يرى كثيرون أن أحد أسباب سقوط نظام الأسد كان عجزه عن الحد من التمدد الإيراني داخل سوريا وتحول أجزاء واسعة من سوريا إلى مناطق نفوذ لقوى مرتبطة بطهران أكثر من ارتباطها بالدولة السورية. وها نرى اليوم كيف تواجه حكومة الشرع تحدياً مشابهاً ولكن بصيغة مختلفة. فبدلاً من التمدد الإيراني، قد تجد نفسها أمام تمدد متزايد للنفوذ التركي عبر الفصائل العسكرية والاقتصادية والسياسية الموجودة على الأرض. ومن المعروف أنه عندما تصبح مراكز القوة الحقيقية خارج مؤسسات الدولة، فإن شرعية السلطة المركزية تبدأ بالتآكل تدريجياً مهما كانت الشعارات المرفوعة.
التوازنات الإقليمية لا تقل أهمية عن التوازنات الداخلية
برغم كل العداء والتنافس الحاد بين تركيا وإيران في ملفات عديدة، إلا أن أنقرة تدرك أن انهيار الدولة الإيرانية أو سقوط النظام الإيراني بشكل كامل قد يؤدي إلى اختلال كبير في موازين القوى الإقليمية، لأنه في السياسة الدولية، غالباً ما يؤدي سقوط أحد الأقطاب الرئيسة إلى انتقال الضغوط نحو الأطراف المتبقية. ولذلك يمكن تفسير حرص تركيا في بعض المراحل على منع انهيار إيران باعتباره دفاعاً عن التوازنات الإقليمية أكثر من كونه دعماً للنظام الإيراني نفسه.
و لهذا، فإنه بالمنطق ذاته، بدا أن القضاء الكامل على قسد أزال أحد عناصر التوازن داخل سوريا وفتح المجال أمام قوى أخرى لتوسيع نفوذها دون وجود قوة مقابلة تحد من هذا التمدد. فالتوازنات غالباً لا تظهر أهميتها إلا بعد انهيارها.
في المقابل، فإن أحد أخطر نتائج سقوط قسد يتمثل في احتمال فقدان السيطرة الأمنية على مناطق شمال وشرق سوريا، وخاصة في دير الزور والرقة وريفهما، فبدلاً من وجود قوة منظمة تمتلك أجهزة أمنية وهيكلية واضحة، بدأت تظهر قوى محلية وعشائرية مختلفة، كما تتزايد المخاوف من عودة تنظيم داعش أو ظهور تشكيلات مسلحة جديدة تحت مسميات أخرى، وبذلك تكون الدولة قد أضعفت قسد، لكنها في المقابل ساهمت في ظهور قوى جديدة أقل انضباطاً وأكثر صعوبة في الاحتواء.
انتقال المسؤولية الكاملة إلى حكومة الشرع
طوال السنوات الماضية كان بالإمكان تحميل جزء من المسؤولية الاقتصادية والأمنية لقسد بسبب سيطرتها على مناطق النفط والقمح والمياه. أما اليوم فقد أصبحت هذه الموارد تحت سلطة دمشق، ما يعني أن الرأي العام بات ينتظر نتائج ملموسة على مستوى الاقتصاد والخدمات وفرص العمل وتحسين مستوى المعيشة، كما أنه لم يعد هناك خصم داخلي يمكن تحميله مسؤولية الإخفاقات الاقتصادية، وأصبحت الحكومة مسؤولة بشكل مباشر أمام المواطنين عن أي تراجع أو فشل.
وفي هذا الصدد ، فإنه لايمكن نسيان أنه في كل من: الرقة ودير الزور جزء كبير ومهم من الثروة الزراعية والنفطية والمائية السورية، وكان يُفترض أن يؤدي استعادة السيطرة عليهما إلى تحسين الوضع الاقتصادي، إلا أنه مع استمرار التدهور المعيشي وضعف الخدمات وتراجع البنية التحتية تحولت هذه المناطق من كونهما مصدراً متوقعا؟ً لوضع الحلول الناجعة، إلى مصدر جديد للضغط الشعبي على الحكومة.
خسارة فرصة الشراكة مع قسد بدل الصدام
لقد طورت قسد، على مدى سنوات طويلة، تجربة إدارية وأمنية في الرقة ودير الزور ومناطق شمال وشرق سوريا. وبالرغم من وجود انتقادات معروفة لهذه التجربة، إلا أنها استطاعت إدارة مناطق واسعة والحفاظ على قدر من الاستقرار مقارنة بظروف الحرب التي مرت بها سوريا.
وكان في إمكان حكومة الشرع أن تتبنى مقاربة مختلفة تقوم على التفاهم مع قسد بدل السعي إلى إنهاء دورها بالكامل. فبدل المواجهة، كان من الممكن دمج مناطق شمال وشرق سوريا ضمن الدولة السورية من خلال صيغة شراكة وحكم لامركزي ضمن سوريا موحدة، بما يحافظ على المؤسسات والخبرات المحلية ويمنع حدوث فراغ إداري وأمني، كما كان يمكن فتح باب شراكة أوسع مع إقليم كردستان العراق، بما يعزز فرص الاستقرار والتنسيق الاقتصادي والأمني في المنطقة.
أضف إلى كل ذلك أنه لو تم اعتماد صيغة الشراكة بدلاً عن الصدام، لكان في الإمكان الحفاظ على استمرارية الإدارة والخدمات والاستفادة من الموارد المحلية بشكل أكثر كفاءة، بما كان سيخفف من حدة التدهور الاقتصادي ويمنح السكان شعوراً أكبر بالاستقرار، ناهيك عن أن نجاح نموذج الشراكة مع قسد كان من الممكن أن يقدم نموذجاً عملياً لمعالجة ملفات داخلية أخرى معقدة مثل الساحل والسويداء، ويعزز الثقة بين المكونات السورية المختلفة بدل تعميق الانقسامات.
خسارة فرصة الاستفادة من رؤوس الأموال الكردية
بعد حل حزب العمال الكردستاني وتراجع نشاطه العسكري، كان من الممكن أن تتجه الأموال والاستثمارات والشبكات الاقتصادية المرتبطة بالحركة الكردية نحو مشاريع تنموية في مناطق شمال وشرق سوريا. وكانت هذه الأموال قادرة على المساهمة في إعادة الإعمار وتحسين البنية التحتية وخلق فرص عمل جديدة في واحدة من أكثر المناطق السورية حاجة للتنمية، لكن استمرار الصراع وانهيار الثقة بين دمشق وقسد جعل هذه الإمكانية أكثر صعوبة، وحرم الاقتصاد السوري من مورد إضافي كان يمكن أن يساهم في تخفيف أزماته.
أزمة الثقة ومستقبل سوريا
ترى قيادات وأنصار قسد أن الاتفاقات السابقة لم تُحترم بالشكل المطلوب، وأن ما جرى يمثل تراجعاً عن تفاهمات قائمة، وإنه بغض النظر عن صحة هذا التقييم أو خطئه، فإن النتيجة هي تراجع الثقة بين القوى السورية المختلفة. وهذا ما سيجعل أي قوة محلية أو فصيل مستقبلي أقل استعداداً للتخلي عن سلاحه أو الاعتماد على الضمانات السياسية، ما يعزز منطق “اتغدى فيه قبل ما يتعشى فيني” ويجعل الاستقرار أكثر صعوبة.
وللحقيقة، فإنه لا يزال جزء كبير من الكرد وسكان الساحل والسويداء يشعرون بأن مخاوفهم السياسية والأمنية تفاقمت ولن تُحل بشكل جذري، كما أن استمرار هذه المشاعر يعني بقاء احتمالات التوتر وعدم الاستقرار قائمة، الأمر الذي ينعكس مباشرة على قدرة الدولة على جذب الاستثمارات وتحقيق التنمية الاقتصادية.
مرة أخرى: الفيدرالية كخيار لمنع الانهيار
في ظل التعقيدات التي تواجهها سوريا اليوم، قد يرى البعض أن العودة إلى نموذج الدولة المركزية الشديدة لم تعد قادرة وحدها على معالجة الأزمات المتراكمة أو احتواء التنوع السياسي والاجتماعي والجغرافي داخل البلاد. ومن هذا المنطلق، تُطرح الفيدرالية باعتبارها أحد الخيارات الممكنة للحفاظ على وحدة سوريا ومنع انهيارها أو تفككها. فبدل أن تكون الفيدرالية مقدمة للتقسيم كما يخشى البعض، يمكن النظر إليها كآلية لتنظيم العلاقة بين المناطق المختلفة ضمن دولة واحدة.
ورغم كل التحديات التي نتجت عن سياسة المواجهة مع قسد، لا يزال أمام حكومة الشرع فرصة لتصحيح مسارها قبل أن تتحول هذه الأزمات إلى واقع يصعب احتواؤه. فالمشكلة الأساسية ليست في وجود قسد بحد ذاته، بل في غياب رؤية سياسية قادرة على تحويل القوى الموجودة على الأرض من خصوم إلى شركاء في بناء الاستقرار.
وربما تكون الفرصة الأخيرة أمام الحكومة اليوم هي الانتقال من منطق الغلبة إلى منطق الشراكة، لأن الدول لا تستقر بإلغاء التوازنات، بل بإدارتها وتحويلها إلى عناصر قوة تخدم المصلحة الوطنية. أما الاستمرار في النهج الحالي، فقد يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر خطورة تهدد وحدة سوريا نفسها.
*مدير مؤسسة وراديو ولات سابقاً أول راديو في كردستان سوريا
رئيس تحرير مجلة ولات- متوقفة عن الصدور
إعلامي وكاتب