فارس عيسى عبدالكريم*
يمثل إقليم كوردستان العراق نموذجاً دستورياً ضمن إطار النظام الاتحادي الذي أُقرّ بعد عام 2003، إلا أنه في الممارسة السياسيةت جاوز حدود “المكوّن الإداري” ليضطلع بدور محوري في تثبيت استقرار الدولة العراقية، والمساهمة الفعلية في إدارة أكثر الملفات تعقيداً بين أربيل وبغداد، سواء تلك المتراكمة منذ مراحل سابقة، أوالناشئة عن تباين التفسيرات الدستورية واختلاف الرؤى بشأن تطبيق نصوصه.
ورغم ما شهدته العلاقة بين الجانبين من أزمات سياسية وضغوط متبادلة ومحاولات لتعطيل مسار التفاهم، فإن حكومة إقليم كوردستان حافظت على خيارها الاستراتيجي القائم على الحوار الدستوري،وإبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع الحكومة الاتحادية، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الدولة لا تُبنى بالقطيعة، وأن الاستقرار لا يتحقق إلابالشراكة، وأن الدستور هو المرجعية العليا لتنظيم العلاقة بين مكوّنات النظام السياسي في العراق.
وفي هذا الإطار، عمل الإقليم على ترسيخ مسارات التفاهم مع بغداد، والدفع باتجاه حلول واقعية ومنصفة تعيد التوازن إلى العلاقة بين أربيل وبغداد، وتعزز الاستقرار العام للدولة. وقد شكّلت الكابينة التاسعة لحكومة إقليم كوردستان، برئاسة السيد “مسرور بارزاني”،ترجمة عملية لهذا التوجه؛ إذ جاءت زيارته إلى بغداد بعد أيام قليلة من تسلّمه مهامه في تموز 2019 على رأس وفد رفيع المستوى، لتؤكد أن العلاقة مع بغداد ليست إدارة أزمات أو تكتيكية، بل شراكة استراتيجية، وأن معالجة الخلافات لا يمكن أن تتم خارج الإطار الدستوري.
وقد حملت تلك الزيارة رسالة سياسية واضحة إلى مختلف الأطراف،من النخب المجتمعية والقوى السياسية إلى مؤسسات الدولة وأركانها،مفادها أن استقرار كوردستان يشكل أحد المرتكزات الأساسية لاستقرار العراق، وأن نجاح الحكومة الاتحادية يمثل مصلحة وطنية مشتركة لا تخص طرفاً دون آخر ضمن إطار الدولة الاتحادية في العراق. ومن هذا المنطلق، تبنّت حكومة الإقليم نهجاً عملياً يقوم على دعم الحكومة الاتحادية، والمساهمة في تخفيف الضغوط عنها،بالتوازي مع الاستمرار في طرح الملفات العالقة ضمن إطار تفاوضي مسؤول.
وعلى أرض الواقع، يتجسد هذا النهج في أبعاد متعددة. فعلى الصعيد الأمني، شكّلت قوات البيشمركة أحد أعمدة الدفاع عن العراق، إذ خاضت إلى جانب القوات الاتحادية معركة مواجهة تنظيم داعش الإرهابي، وتولت مسؤولية حماية مساحات واسعة من الأراضي العراقية، وما تزال تؤدي دورها في حفظ الاستقرار ومنع عودة التهديدات الأمنية.
أما سياسياً، فقد أسهم الإقليم في دعم الاستقرار السياسي من خلال تسهيل مسارات التوافق الوطني، والمساعدة في تهيئة بيئة مناسبة لإجراء الانتخابات، وتجاوز الأزمات التي رافقت تشكيل الحكومات الاتحادية، حيث لعب دور “مفتاح التوازن” في أكثر من محطة سياسية عبر تقريب وجهات النظر بين القوى المختلفة.
وفي البعد الاقتصادي والخدمي، قدّم إقليم كوردستان تجربة تنموية انعكست آثارها على الإقليم وعلى العراق ككل، من خلال مشاريع البنية التحتية وتطوير القطاعات الحيوية، بما يعزز الاستقرارالاقتصادي، ويسهم في خلق نموذج إداري وخدمي أكثر فاعلية.
وانطلاقاً من هذا النهج، جدّد السيد “مسرور بارزاني” خلال زيارته الأخيرة إلى بغداد في 23 أيار ولقائه مع السيد “علي الزيدي” رئيس مجلس الوزراء الاتحادي دعمه لمسار التعاون، والمضي في معالجة الملفات العالقة بروح الشراكة والمسؤولية الوطنية، إلى جانب فتح آفاق تعاون جديدة تخدم عموم العراقيين. كما أكد استمرار دعم الإقليم لقطاع الكهرباء عبر تزويد الشبكة الوطنية بما يقارب (1600–2000) ميغاواط، مع الاستعداد لزيادة هذه الكميات بما يعزز استقرارالمنظومة الكهربائية في البلاد، إضافة إلى طرح تجربة “روناكي” أي الكهرباء على مدار الساعة بوصفها نموذجاً يمكن الاستفادة منه في بقية المحافظات.
وفي السياق ذاته، عبّر عن استعداد الإقليم لزيادة إنتاج النفط وتسويقه عبر شركة تسويق النفط العراقية (سومو)، بما يسهم في تعزيز الإيرادات العامة للدولة، مقابل ضمان أمن حقول ومؤسسات الإقليم وعدم استهدافها.
وهكذا، لا يظهر إقليم كوردستان كطرف ضمن معادلة داخلية فحسب، بل كعنصر توازن أساسي في بنية الدولة العراقية الحديثة،وشريك فعلي في تحويل الفيدرالية من إطار دستوري جامد إلى ممارسة سياسية تنتج الاستقرار لا الصراع والبناء لا الهدم.
*رئيس ممثلية حكومة إقليم كوردستان في بغداد.