التثقيف المجتمعي ضرورة وطنية ملحّة

د. احمد العامري

تحتاج المجتمعات بين الحين والآخر إلى إعادة تأهيل، لاسيما تلك التي مرّ أهلها بهزّات اجتماعية وحروب وأوبئة وتبقى عملية التثقيف هي الدعامة الحقيقية والفعّالة لإعادة بناء المجتمع وتأهيله
فالمجتمعات لا تنهض إلا بالعقول ولا تستقيم إلا بوعيٍ يضبط إيقاعها ولهذا كان التثقيف هو الفعل الأول قبل كل فعل والأساس الذي إن صلُح صلُح ما فوقه. وهنا قد يتساءل البعض لماذا التثقيف ضرورة وليس رفاهية؟
لأن التثقيف يعني تزويد الإنسان بأدوات الفهم كيف يسأل، وكيف يميّز بين الغثّ والسمين، وكيف يربط السبب بالنتيجة، وكيف يرى المصلحة البعيدة وسط إغراء المنفعة العاجلة
مجتمع بلا تثقيف يشبه سائقاً بلا خريطة قد يتحرك بسرعة لكنه يدور في دوائر وقد ينحرف عند أول مفترق التثقيف يصنع من الفرد حارساً داخلياً يمنعه من الانجرار وراء الشائعة، ومن التورط في صراع لا ناقة له فيه ولا جمل، ومن قبول الظلم لأنه اعتاد عليه.
وللتثقيف دورٌ ريادي في جميع المراحل والظروف فالسياسي مثلاً يحتاج إلى جمهورٍ واعٍ ليُحاسبه ويقوّمه وإلا صار الحكم استعراضاً بلا مساءلة و الاقتصادي يحتاج إلى مستهلكٍ مثقّف يفرّق بين الجودة والغش وإلا صارت الأسواق ساحة خداع و القائد الاجتماعي يحتاج إلى بيئة مثقفة تفهم رسالته وإلا صار صوته في وادٍ والناس في وادٍ آخر، التثقيف لايصنع ضجيجاً كالخطابة ولا يظهر في الصور كالإنجازات المادية، لكنه يبني الذاكرة الأخلاقية والمعرفية للجماعة وهو يسبق القيادة نفسها إذ لا قيادة بلا وعي ولا وعي بلا تثقيف.
وعند غياب التثقيف يملأ الفراغ من يجيد الضجيج لا البناء فتنتشر العصبية ويُشترى الاحترام بالمظهر وتُقدَّم المطامع على المصالح وتتحول الأزمات من حوادث عابرة إلى واقع متكرر لأن الناس فقدوا القدرة على قراءة المشهد قبل أن يقعوا فيه. والخلاصة التثقيف ليس
محاضرة تُلقى وتنتهي بل هو عملية مستمرة تعيد تشكيل العقل الجمعي وهو دورٌ ريادي بامتياز لأنه يبني الإنسان الذي يبني كل شيء بعده فالمجتمع الذي يهمّش التثقيف يشبه من يبني بيتاً بلا أساس قد يقف يوماً ويومين وأسبوعاً، لكنه يسقط أمام أول هبّة ريح.

قد يعجبك ايضا