خالد الياس رفو
هناك لحظات تاريخية تعيشها الشعوب وهي محملة بأحلام كبيرة تتجاوز حدود الواقع القائم، لحظات تتطلع فيها إلى مستقبل مختلف ترى فيه الخلاص من أوجاع الماضي وبداية عهد جديد أكثر عدلاً وازدهاراً وإنسانية.
العراقيون بعد التحولات السياسية الكبرى والتغير الجيوسياسي الذي شهده العراق وسقوط النظام الدكتاتوري عام 2003 كانوا يعيشون واحدة من تلك اللحظات الاستثنائية حين راودهم حلم وطن جديد ينهض من بين أنقاض الحروب والاستبداد ويطوي صفحات طويلة من القهر والمعاناة ليفتح أبوابه أمام الأمل والحياة.
حلم العراقي كان بسيطاً وواضحاً وعميقاً في آن واحد، هو العيش في دولة يشعر فيها بالأمن والكرامة والاستقرار وأن ينعم بخيرات أرضه وثروات بلاده التي طالما سمع عنها ولم يلمس آثارها في حياته اليومية وكان يحلم بوطن تتطور فيه مؤسسات الدولة وتزدهر فيه الصناعة والزراعة والتكنولوجيا ويستعيد مكانته الحضارية والعلمية التي طالما شكلت مصدر فخر لأبنائه.
كان العراقيون يتطلعون إلى نهضة شاملة تبدأ من الإنسان وتنتهي إليه.. حلموا بمدارس حديثة تتحول إلى منارات للعلم والثقافة وتخرج أجيالاً واعية وقادرة على بناء المستقبل وبمستشفيات ومراكز صحية متطورة تواكب أرقى المعايير الطبية العالمية وتحفظ كرامة الإنسان وحقه في العلاج والرعاية.
حلموا بمدن مختلفة، مدن تتبدل فيها الأزقة الضيقة والأحياء المهملة إلى شوارع منظمة وحدائق عامة ومتنزهات ومجمعات سياحية ومراكز ثقافية وترفيهية. مدن يصبح فيها الجمال جزءاً من الحياة اليومية ويشعر المواطن فيها بأن الدولة تحترم حقه في بيئة حضارية تليق بإنسانيته.
كانت الأحلام تمتد إلى تفاصيل الحياة المعيشية البسيطة التي تشكل جوهر الاستقرار الاجتماعي وقد تطلع العراقي إلى بيت كريم وفرصة عمل مستقرة ومصانع ومعامل تعود إلى الإنتاج وأراض زراعية تستثمر بأحدث الوسائل والتقنيات.
كما كان يأمل في بناء الجسور والطرق والسدود وإنشاء المشاريع السياحية والتنموية وإحياء المواقع الأثرية التي تختزن ذاكرة الحضارات العراقية العريقة لتتحول إلى مصدر اعتزاز ورافد اقتصادي وثقافي مهم للبلاد.
هذه الأحلام لم تكن مقتصرة على الجانب المادي فحسب، بل كانت تحمل بعداً إنسانياً وأخلاقياً عميقاً وقد حلم العراقيون بوطن يخلو من الفقر والبطالة والحرمان وطن يجد فيه الأرامل من يقف إلى جانبهم والأيتام من يحتضنهم وذوو الاحتياجات الخاصة من يوفر لهم الرعاية والدعم والفرص المتكافئة.
كانوا يتطلعون إلى دولة يسودها القانون والعدالة والمساواة وتحترم الحريات العامة والحقوق الإنسانية وتضمن لجميع مواطنيها حياة كريمة بعيداً عن التمييز والتهميش والقيود التي أثقلت كاهل المجتمع لعقود طويلة.
الأحلام الكبيرة لا تصطدم بالواقع فحسب، بل قد تواجه أحياناً واقعاً أكثر تعقيداً وقسوة مما كان متوقعاً.
بعد عام 2003 دخل العراق مرحلة انتقالية اتسمت باضطرابات سياسية وأمنية عميقة رافقتها تحديات معقدة أثرت بصورة مباشرة على عملية إعادة بناء الدولة ومؤسساتها وسرعان ما وجد المواطن العراقي نفسه أمام أزمات متلاحقة طالت مختلف جوانب الحياة العامة وانتشرت الحواجز والسيطرات وتقطعت أوصال المدن والأحياء وارتفعت معدلات الفقر والبطالة، فيما تراجعت قطاعات الإنتاج وتدهورت الزراعة والصناعة واستمرت معاناة البنية التحتية والخدمات الأساسية.
أخطر ما شهده المجتمع العراقي تراجعاً في الشعور بالأمن والاستقرار، في ظل تنامي الانقسامات الطائفية والقومية وانتشار أعمال العنف والإرهاب والقتل على الهوية وتحولت مشاهد الدم والخوف “في مراحل عديدة” إلى جزء مؤلم من الحياة اليومية لملايين العراقيين الذين كانوا ينتظرون مستقبلاً أكثر أمناً وسلاماً.
من التحديات التي واجهت العراق خلال هذه المرحلة هو استفحال الفساد الإداري والمالي وتغلغله في مؤسسات الدولة بصورة غير مسبوقة وقد أسهم ضعف إدارة مؤسسات الدولة واعتماد توزيع المناصب السيادية على أساس المصالح السياسية والحزبية في استنزاف الموارد العامة وتعطيل مشاريع التنمية والإعمار وأضعف ثقة المواطنين بالمؤسسات التي كان يفترض أن تقود عملية التغيير والإصلاح.
في خضم هذه التحديات تراجعت أوضاع شرائح اجتماعية واسعة كانت بحاجة إلى عناية أكبر ودعم أكثر فاعلية وأزدادت معاناة العديد من الأرامل والأيتام وذوي الاحتياجات الخاصة فيما بقيت فئات كبيرة من المجتمع تواجه ظروفاً اقتصادية ومعيشية صعبة وتحلم بفرص حقيقية للحياة الكريمة.
لم تكن الخسائر مقتصرة على الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية فحسب ، بل أمتدت إلى الإرث الحضاري والثقافي الذي يمثل أحد أهم عناصر الهوية الوطنية العراقية. فقد تعرضت مواقع أثرية وتاريخية عديدة للإهمال والسرقة والتخريب رغم أنها تمثل ذاكرة حضارات إنسانية عظيمة كان من الممكن أن تكون مصدر فخر وازدهار ثقافي وسياحي واقتصادي للعراق.
بعد أكثر من عقدين على التغيير لا يزال السؤال الوطني الكبير مطروحاً: كيف يمكن للعراق أن يحقق الحلم الذي راود أبناءه طويلاً ؟
إن الإجابة لا تكمن في إعادة إنتاج الأزمات ذاتها ولا في أستمرار النهج السياسي القائم على الانقسامات الطائفية والقومية والإيديولوجية الضيقة، بل في إطلاق مشروع وطني حقيقي يعيد الاعتبار لمفهوم المواطنة بوصفه الأساس الذي تتساوى في ظله الحقوق والواجبات، مشروع يؤمن بالدولة المدنية الديمقراطية العلمانية ويحترم التعددية والتنوع ويجعل الإنسان محور السياسات العامة وغايتها.
العراق بحاجة إلى وقفة وطنية صادقة ومسؤولة تعيد النظر في آليات إدارة الدولة وبناء المؤسسات وتؤسس لمرحلة يكون فيها القانون فوق الجميع وتكون الكفاءة والنزاهة المعيار الحقيقي لتولي المسؤوليات العامة بعيداً عن المحاصصة والانتماءات الضيقة.
كما أن النهوض الحقيقي يتطلب نهضة فكرية وعلمية واقتصادية شاملة تعيد بناء التعليم والصناعة والزراعة والبحث العلمي وتوفر البيئة المناسبة للإبداع والتنمية.