د. فيصل صادق توفيق
في تاريخ الشعوب محطات ورموز تتجاوز معناها المباشر لتصبح جزءاً من الهوية الجماعية والذاكرة الوطنية. وفي تجربة شعب كوردستان، (لا سيما في بداية القرن المنصرم والعصر الحاضر)، لا تمثل البيشمركة مجرد تشكيل عسكري أو مؤسسة أمنية، بل تمثل قصة نضال طويلة ارتبطت بوجود الشعب نفسه وبمسيرته في الدفاع عن الأرض والحرية والكرامة.
فالبيشمركة وُلدت من رحم المعاناة قبل أن تولد من رحم المؤسسات. حملت الجبال أسرارها، واحتضنت تضحياتها، حتى أصبح اسمها مقترناً بجبال كوردستان الشامخة التي قاومت عوامل الزمن وبقيت شاهدة على مراحل النضال المختلفة. ومن هنا لم يكن غريباً أن ينظر إليها أبناء كوردستان بوصفها أكثر من قوة مسلحة، بل باعتبارها رمزاً وطنياً يجسد إرادة شعب بأكمله.
وعلى امتداد عقود طويلة، كانت البيشمركة السند الأول والأخير في الأوقات التي تعرض فيها الشعب الكوردي للأزمات والتهديدات. فقد دفعت آلاف الشهداء دفاعاً عن الإنسان والأرض، وأسهمت في حماية الاستقرار والأمن، كما لعبت دوراً محورياً في مواجهة الإرهاب، ليس دفاعاً عن كوردستان فحسب، بل عن العراق والمنطقة بأسرها. ولا يمكن الحديث عن البيشمركة بوصفها رمزاً لنضال شعب كوردستان من دون استحضار الملاحم البطولية التي سطرتها في جبال ووديان سوران خاصة كوننا عشنا وعاصرنا ولا نزال نعيش مع تلك البطولات، تلك المنطقة التي كانت دائماً إحدى القلاع الراسخة للثورة والنضال. ففي خواكورك وهندرين وكورز وكەرووی عمر ئاغا، لم تكن المواجهات مجرد معارك عسكرية عابرة، بل كانت صفحات مضيئة من تاريخ شعب واجه بإرادة لا تلين قوى تفوقه عدةً وعتاداً، لكنه امتلك ما هو أعظم من السلاح؛ امتلك الإيمان بعدالة قضيته والاستعداد للتضحية من أجلها.
لقد تحولت قمم هندرين الشاهقة إلى شاهد حي على صمود البيشمركة وبسالتهم، كما بقيت خواكورك وكورز وكەڕەوی عومەر ئاغا محفورة في الذاكرة الوطنية بوصفها محطات تجلت فيها أسمى معاني الفداء والتحدي. وما زالت هذه الأماكن إلى اليوم تستحضر أسماء الشهداء الذين كتبوا بدمائهم فصولاً من تاريخ الحرية، لتبقى ذكراهم حاضرة في وجدان الأجيال المتعاقبة. ومن هذا المنطلق تثار بين الحين والآخر نقاشات حول طبيعة البيشمركة وموقعها ضمن المنظومة الأمنية العراقية. غير أن هذه النقاشات كثيراً ما تغفل حقيقة أساسية، وهي أن البيشمركة بالنسبة للكورد ليست مجرد مؤسسة يمكن اختزالها بالوصف الإداري أو التنظيمي، وإنما تمثل جزءاً من التاريخ السياسي والنضالي لشعب كوردستان.
لقد أكد الرئيس مسعود بارزاني في أكثر من مناسبة أن البيشمركة هي إحدى أعظم منجزات شعب كوردستان وأغلى ما يملكه من إرث نضالي، وأنها ليست قوة طارئة نشأت بقرار سياسي أو ظرف عابر، بل ثمرة عقود طويلة من التضحيات والبطولات التي قدمها أبناء كوردستان دفاعاً عن أرضهم وكرامتهم وحقوقهم. ومن هذا المنظور فإن قيمة البيشمركة لا تُقاس فقط بوظيفتها العسكرية، بل بما تمثله من رمزية وطنية متجذرة في وجدان الشعب.
غير أن بطولات البيشمركة لم تكن لتُكتب بهذه العظمة لولا وجود حاضنة اجتماعية آمنت بالتضحية ودفعت أثمانها بصبر نادر. فخلف كل شهيد أمٌّ حملت وجع الفراق بصمت وكبرياء، وخلف كل مقاتل عائلة وضعت مصلحة الوطن فوق مشاعرها الخاصة. ولعل من أبلغ صور هذا العطاء ما جسدته أمهات الشهداء في سوران، اللواتي قدمن أبناءهن الواحد تلو الآخر دون أن يتزعزع إيمانهن بقيم الحرية والكرامة. وتبقى أم عائشة، التي عُرفت بين أبناء سوران بلقب “أم الشهداء”، نموذجاً خالداً لهذه التضحيات النبيلة. فقد قدمت في يوم واحد ثلاثة ابناء في سبيل القضية الوطنية، واستقبلت الفاجعة بقلب ثابت كجبال كوردستان، لتتحول قصتها إلى رمز للأم الكوردستانية التي لم تكتفِ بإنجاب الأبطال، بل شاركت في صناعة البطولة نفسها بالصبر والإيمان والتضحية. وما أم عائشة إلا صورة مشرقة لمئات الأمهات اللواتي قدمن أغلى ما يملكن من أجل أن يبقى الوطن مرفوع الرأس. ومن هنا لم يكن من قبيل المصادفة أن تُعرف سوران بمدينة الشهداء. فهذا اللقب لم يُمنح لها تكريماً للماضي فحسب، بل اعترافاً بحجم التضحيات التي قدمها أبناؤها وبناتها في مختلف مراحل النضال. ففي كل قرية ووادٍ وجبل من جبالها حكاية شهيد، وفي كل بيت تقريباً ذكرى فداء أو تضحية، حتى أصبح حب الوطن والانتماء إليه جزءاً من الهوية الجمعية لأهل سوران.
إن البيشمركة ليست فقط أولئك الذين حملوا السلاح في الجبال، بل هي أيضاً تلك الأم التي ودعت أبناءها بقلب مؤمن، وذلك الأب الذي احتمل مرارة الفقد، وذلك المجتمع الذي احتضن الشهداء وحفظ ذكراهم. ولهذا فإن الحديث عن البيشمركة هو في جوهره حديث عن شعب كامل، شعبٍ كان ثقله كثقل الجبال التي احتضنت نضاله وحفظت تاريخه، وظل السند الأول والأخير لقضيته وكرامته ومستقبله.
واليوم، وبعد عقود من النضال والتضحيات، لا تزال البيشمركة تمثل رمزاً لوحدة الإرادة الوطنية وعنواناً للفخر والاعتزاز. فهي ليست مجرد صفحة من صفحات الماضي، بل رصيد معنوي وأخلاقي تستمد منه الأجيال معاني الصمود والانتماء. وكما بقيت جبال كردستان شامخة في وجه العواصف، ستبقى البيشمركة رمزاً خالداً لنضال شعب آمن بحقه في الحرية، وكتب تاريخه بدماء الشهداء وصبر الأمهات وإرادة الرجال.