سنية عبد عون رشو
لا زلت أتقلب بنومة القيلولة ، أصحو قليلا ثم تسحبني اغفاءة أخرى دون إرادتي ، أ هو حلم أم حقيقة لا أدري .
أم انها لعنة كابوس أتعبت روحي وطحنت انسانيتي ووأدت أحلامي وحجبت الشمس عني . .
رأيت رجالا كأنهم ضباب الفجر الكثيف الذي يجعل الصدر ضيقا حرجا ، نحن خلقنا من أديم الأرض لكني لا أمتلك معلومة أكيدة عنهم ممن خلقوا .
يؤلمني انهم تتبعوا خطواتي ، مرتبكة حركاتهم تتهادى نواياهم بين روحية الصادق والكاذب .
، لا أدري هل ألجأ اليهم أو أنهزم وأختبئ في بيتي الآيل للسقوط ، لكني لا أفضل الهروب والتخلي عن أحلامي . .
كانوا يتقنون صناعة الكلمات أكثر من صناعة الواقع ، يزرعون العسل على أطراف السنتهم ، ويخفون الشوك في أعماقهم ، فاذا تكلموا صدقهم السامع ولكني لم أجد سوى سراب من الوعود . .
لا أفهم اسرار مكائدهم ، ولم أجرب بعد خيانة الذات ، لذلك هربت . في طرق متعرجة وفوق حافات حادة زلقة حتى كدت ان أواجه الموت المحتوم .
الا اني وجدت فئة من الناس قد أحاطوا بهم ، بإجلال ووقار وهم أنفسهم ممن صفقوا ورقصوا لمن سبقهم
أحتج الشعراء في قصائدهم والكتاب في رواياتهم . ولكنهم لا يقرأون ما نكتب . .
كانوا يمنحون الناس بركاتهم ووعودهم بزراعة النخيل وسوف يمنحونهم بعضا من ضفائر الشمس الفضية والناس فاغرة أفواههم دهشة واعجابا ، وربما تخيلوا داخل جماجمهم قصورا وآمالا عريضة .والنخل ينتظر حتى أصابه اليأس وملّ من وعودهم الكاذبة .
قالت النخلة الأولى وهي تساقط سعفها بحزن :ـ اما زلت تنتظرين خطاهم .؟ لقد تناسوا ظلّنا وجف الماء في عروقنا منذ ان رحلتْ قلوبهم قبل أجسادهم .
تنهدتْ النخلة الثانية ومالت مع الريح وقالت : ـ كنت أظنهم اذا ضاقت بهم الدنيا سيعودون الينا . نحن من حفظ اسرارهم تحت القمر وغطين طفولتهم بالرطب والحنين .
قالت الأولى بمرارة :ـ انهم يمرون من بعيد كالغرباء ، كأن تعبنا الطويل لم يكن ، وحتى الطيور هجرتنا لأن يد العناية قد غابت .
قالت الثانية : ـ البارحة سمعت النخلات يتهامسن يقلن ان الوفاء مات في قلوبهم وان الأرض تبكي عطشا منذ خانها الفرات . فسكتتا قليلا . وكانت الريح تمشط سعفهما اليابس ، كأنها تواسي نخيلا خذله أصحابه .
والرجال يغطون بنوم عميق ويحلمون احلاما وردية لان عطش النخيل لا يعنيهم بشيء .
أصابنا شعور بالتوجس منهم ولكن زاد تشبثنا بكبريائنا المعهود منذ بدء الحضارة .
جلسنا فوق أعشاب خضر ندية وأمامنا تنساب موجات الفرات المتخاذلة . واتفقنا .
ان نمنح انفسنا بعضا من الوقت ونجد طريقة مثلى تخلصنا منهم الى الأبد .
مروا على مواسمنا كالغرباء . قطفوا تعب الأيادي وعلّقوا
أثمار النخيل في اعناقهم .
ثم تركونا حفاة الأرواح . نبحث بين التراب عن ظل حلم كان لنا ، لم نكن فقراء لكنهم سرقوا دفء النخيل .
وأطفأوا آخر قنديل كان ينتظر العدالة . .
شلّوا حركتنا تماما . تيقنا ساعتها ان الأمور قد ساءت ولا ندري لماذا غرقنا بحالة من ذهول . الا ان أقدامنا تشابكت مع جذور النخيل وتشبثت بها . . .
لجأنا لهم مرغمين ( كالمستجير من الرمضاء بالنار) . .
لكنهم ببساطة تغافلوا وتناسوا وعودهم وتركوا
الجميع في حيص بيص وهنا سادت الفوضى .
فاستطالت أذرع سعف النخيل حتى غدت كأنها قضبان حديدية فرمينا آثار الغرباء في بئر عميق . .
وبئرنا لا يشبه بئر يوسف !! لأننا بالتأكيد قطعنا طريق القوافل السيارة . .
يا الهي كم أدهشني هذا الحلم . ولكن من هم هؤلاء الغرباء الذين رأيتهم في منامي .؟؟؟
أنا لا أعرفهم .!!!