مناف حسن
كثيراً ما تطرح مقارنة بين قوات البيشمركة وقوات الحشد الشعبي، لكن هذه المقارنة تتجاهل الفوارق الجوهرية في النشأة والتاريخ والهوية والوظيفة.
فالبيشمركة ليست قوة طارئة نشأت بسبب ظرف أمني أو سياسي مؤقت، بل هي حركة تحرر وطنية ولدت من رحم الشعب الكوردستاني منذ عشرات السنين، بل قبل تأسيس الدولة العراقية الحديثة. وقد حملت على عاتقها الدفاع عن وجود الشعب الكوردستاني وحقوقه، وضحى آلاف المقاتلين بأرواحهم من أجل الحرية والكرامة.
ولم تكن مهمة البيشمركة مقتصرة على الدفاع عن الكورد فقط، بل شاركت في النضال ضد الأنظمة الدكتاتورية التي حكمت العراق، وكان شعار الزعيم الراحل مصطفى البارزاني واضحا ،، “الحكم الذاتي لكوردستان والديمقراطية للعراق”. وهو شعار يؤكد أن نضال البيشمركة لم يكن موجها ضد الشعب العراقي، بل ضد الاستبداد والظلم.
واليوم تعد البيشمركة قوة دستورية معترفا بها ضمن النظام الفيدرالي العراقي، وقد أقر الدستور العراقي مكانتها القانونية، وهي تمثل القوات الرسمية لإقليم كوردستان.
كما أن البيشمركة كانت من أوائل القوى العراقية المنظمة التي ساهمت في بناء المنظومة الأمنية الجديدة بعد عام 2003، ولعبت دوراً أساسياً في مواجهة الإرهاب، خصوصاً خلال الحرب ضد تنظيم داعش، عندما دافعت عن كوردستان وعن مناطق عراقية واسعة في الوقت الذي كانت فيه مدن كثيرة مهددة بالسقوط.
في المقابل، تأسس الحشد الشعبي عام 2014 استجابة لفتوى دينية صدرت لمواجهة تنظيم داعش بعد انهيار قطعات عسكرية عراقية في عدد من المحافظات. ولا يمكن إنكار دوره في القتال ضد داعش، لكنه يختلف عن البيشمركة من حيث النشأة والعقيدة والهوية التنظيمية، إذ يضم عشرات الفصائل ذات الخلفيات السياسية والفكرية المتعددة.
إن الفارق الأساسي بين القوتين أن البيشمركة نشأت من إرادة شعب وقضية ممتدة لعقود طويلة، وأصبحت جزءا من الواقع الدستوري والسياسي العراقي، بينما جاء الحشد الشعبي استجابة لظرف أمني استثنائي فرضته الحرب ضد داعش.
لهذا فإن المقارنة بين البيشمركة والحشد الشعبي ليست مقارنة بين قوتين متماثلتين، بل بين تجربتين مختلفتين تماما في التاريخ والظروف والأهداف والمرجعيات.
البيشمركة تمثل بالنسبة للكورد قصة شعب ونضال أجيال طويلة من أجل الحرية، وهي جزء من هوية كوردستان وذاكرتها الوطنية، ولذلك ينظر إليها الكوردستانيون باعتبارها رمزا وطنيا قبل أن تكون مجرد تشكيل عسكري …