ماهين شيخاني
مقدمة: حين يتحول سؤال السلاح إلى سؤال عن شكل الدولة
في كل مرة يُطرح فيها ملف “حصر السلاح بيد الدولة” في العراق، تتجه الأنظار تلقائياً نحو الفصائل المسلحة الخارجة عن المنظومة العسكرية التقليدية. لكن النقاش هذه المرة يلامس منطقة أكثر حساسية وتعقيداً: موقع قوات البيشمركة ضمن المعادلة الأمنية العراقية، ومستقبل العلاقة بين بغداد وأربيل في ظل الدعوات المتزايدة لإعادة تنظيم القطاع الأمني العراقي.
وقد أعادت تصريحات المبعوث الأمريكي توم براك، الداعمة لجهود الحكومة العراقية في تنظيم السلاح وتعزيز سلطة الدولة، إحياء تساؤلات قديمة داخل إقليم كوردستان: هل تتجه بغداد نحو بناء دولة مؤسسات حقيقية تحترم الفيدرالية كما نص عليها الدستور؟ أم أن بعض القوى السياسية قد تستثمر هذا المناخ لإعادة توسيع سلطة المركز على حساب الصلاحيات الدستورية للإقليم؟
السؤال لا يتعلق بالسلاح وحده، بل بطبيعة العراق نفسه: هل هو دولة اتحادية فعلية أم دولة مركزية مؤجلة؟
البيشمركة: قوة دستورية أم ملف سياسي مفتوح؟
من الناحية القانونية، يتمتع إقليم كوردستان بوضع خاص ضمن النظام الاتحادي العراقي. فالمادة (121) من الدستور العراقي تمنح الإقليم حق تنظيم قواه الأمنية وحرس الإقليم، وهو الأساس القانوني الذي تستند إليه شرعية قوات البيشمركة.
وبناء على ذلك، لا يمكن وضع البيشمركة في خانة المجموعات المسلحة غير الدستورية، لأنها جزء من منظومة الحكم الاتحادي المعترف بها قانونياً وسياسياً.
لكن الإشكالية تبدأ عندما تنتقل القضية من النصوص القانونية إلى الواقع السياسي.
ففي العراق، كثيراً ما كانت الخلافات تدور حول تفسير الدستور أكثر من الخلاف على نصوصه. ولذلك لا يكفي أن تكون الحقوق مكتوبة على الورق، بل يجب أن تتوافر إرادة سياسية لاحترامها وتطبيقها.
وهنا يكمن القلق الحقيقي في أربيل.
هواجس كوردستان: الخوف من النوايا لا من النصوص
لا تبدو المخاوف الكوردية مرتبطة بوجود نص دستوري واضح، بل بطريقة التعامل معه.
ففي السنوات الماضية شهدت العلاقة بين بغداد وأربيل أزمات متكررة حول:
الموازنة العامة.
عائدات النفط والغاز.
إدارة المناطق المتنازع عليها.
صلاحيات الإقليم الدستورية.
لهذا السبب ينظر كثير من الكورد بحذر إلى أي مشروع يتحدث عن إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية العراقية دون توضيح حدود تلك الهيكلة وأهدافها.
وتتمثل أبرز الهواجس في ثلاثة ملفات رئيسية:
أولاً: المركزية المقنعة
هناك خشية من أن تتحول بعض مشاريع الإصلاح الأمني إلى بوابة لإعادة تركيز السلطات الأمنية والعسكرية بيد الحكومة المركزية.
فالفرق كبير بين التنسيق الأمني وبين إلغاء الخصوصيات الدستورية التي أقرها النظام الاتحادي.
إذا كانت الفيدرالية تعني توزيع السلطات بين المركز والأقاليم، فإن أي محاولة لسحب الصلاحيات الأمنية من الإقليم قد تُفسَّر بوصفها تراجعاً عن جوهر العقد الاتحادي نفسه.
ثانياً: الضغوط المالية والسياسية
شهدت السنوات الماضية استخدام الملفات المالية كورقة ضغط متبادلة بين بغداد وأربيل.
ولذلك يخشى البعض من أن يتحول تمويل قوات البيشمركة أو إعادة تنظيمها إلى ملف سياسي يخضع للتجاذبات الحزبية والانتخابية، بدلاً من التعامل معه كجزء من المنظومة الدفاعية الوطنية.
ثالثاً: الهشاشة الأمنية الإقليمية
يقع إقليم كوردستان في منطقة تتداخل فيها مصالح إقليمية ودولية معقدة.
وتتعرض مناطقه بين الحين والآخر لهجمات بالطائرات المسيّرة أو ضربات عسكرية مرتبطة بصراعات إقليمية أوسع.
هذا الواقع يدفع كثيرين داخل الإقليم إلى التساؤل حول طبيعة الضمانات الأمنية المتاحة لكوردستان في حال جرى تقليص دور قوات البيشمركة أو تقييد حركتها.
العقدة الداخلية: ما لا يحب الكورد الحديث عنه
في المقابل، لا يمكن تحميل بغداد وحدها مسؤولية المخاوف الحالية.
فثمة مشكلة داخلية مزمنة لا تزال تلقي بظلالها على ملف البيشمركة، وهي عدم اكتمال عملية توحيد القوات العسكرية التابعة للإقليم.
فعلى الرغم من الخطوات التي أُنجزت خلال السنوات الماضية بدعم من التحالف الدولي، ما زالت آثار الانقسام السياسي التاريخي بين القوى الرئيسية في الإقليم تنعكس بدرجات متفاوتة على البنية العسكرية والأمنية.
وهنا تبرز حقيقة لا يمكن تجاهلها:
كلما اقتربت البيشمركة من التحول إلى مؤسسة وطنية موحدة ومهنية، ازدادت قدرتها على الدفاع عن شرعيتها الدستورية.
أما استمرار الانقسامات، فيمنح خصوم الإقليم حججاً إضافية للتشكيك في طبيعة هذه القوات ومستقبلها.
كيف تنظر بغداد إلى المسألة؟
لكي يكون النقاش متوازناً، لا بد من فهم وجهة النظر المقابلة أيضاً.
فالكثير من القوى السياسية العراقية لا تنطلق من رفض الفيدرالية بحد ذاتها، بل من قناعة بأن تعدد مراكز القوة المسلحة داخل الدولة يشكل تحدياً لبناء مؤسسات مستقرة.
ويرى أصحاب هذا الرأي أن الدولة الحديثة يفترض أن تمتلك منظومة أمنية متماسكة وقيادة عسكرية واضحة، وأن تعدد القوى المسلحة قد يؤدي إلى ازدواجية في القرار الأمني والعسكري.
سواء اتفقنا مع هذا الطرح أم اختلفنا معه، فإنه يمثل جزءاً من النقاش العراقي الداخلي ولا يمكن تجاهله عند تحليل القضية.
ومن هنا تظهر الحاجة إلى إيجاد توازن دقيق بين مبدأ وحدة الدولة ومبدأ احترام النظام الاتحادي.
أين تقف الولايات المتحدة؟
رغم الضجيج السياسي المرافق للتصريحات الأمريكية، لا توجد مؤشرات واضحة على أن واشنطن تسعى إلى إلغاء دور البيشمركة أو إنهاء وضعها القانوني.
فالولايات المتحدة ما زالت تنظر إلى البيشمركة باعتبارها شريكاً أمنياً مهماً في مكافحة الإرهاب والحفاظ على الاستقرار.
لكن التجارب التاريخية علمت الكورد درساً قاسياً: السياسات الأمريكية تُبنى على المصالح لا العواطف.
لهذا لا ينبغي النظر إلى أي دعم خارجي باعتباره ضمانة دائمة، بل باعتباره عاملاً مساعداً ضمن معادلة أوسع تعتمد أولاً على التفاهمات العراقية الداخلية.
ما بين الميليشيات والبيشمركة: ضرورة التمييز
إن نجاح مشروع حصر السلاح في العراق يتطلب التمييز بوضوح بين حالتين مختلفتين تماماً:
جماعات مسلحة تعمل خارج الأطر الدستورية أو ترتبط بأجندات عابرة للحدود.
قوات أمنية وعسكرية معترف بها دستورياً ضمن النظام الاتحادي.
الخلط بين الحالتين لا يخدم بناء الدولة، بل يخلق أزمات جديدة ويعمق فجوة الثقة بين المكونات العراقية.
خاتمة: حماية الفيدرالية تبدأ من بغداد وأربيل معاً
مستقبل البيشمركة لا يتوقف فقط على النصوص الدستورية، بل على قدرة العراقيين جميعاً على احترام فلسفة الدستور نفسه.
فإذا كانت بغداد مطالبة باحترام خصوصية النظام الاتحادي وعدم تحويل الإصلاح الأمني إلى أداة لإعادة إنتاج المركزية، فإن أربيل مطالبة أيضاً بإكمال إصلاحاتها الداخلية وتوحيد مؤسساتها العسكرية بصورة نهائية.
إن قوة البيشمركة لا تكمن في السلاح الذي تحمله فحسب، بل في شرعيتها الدستورية ودورها في استقرار العراق ومكافحة الإرهاب.
والسؤال الحقيقي ليس: هل يجب أن تبقى البيشمركة؟
بل: كيف يمكن تطوير العلاقة بين بغداد وأربيل بحيث تصبح البيشمركة جزءاً من قوة العراق الاتحادي، لا موضوعاً دائماً للخلاف السياسي؟
فالدول القوية لا تُبنى بإلغاء خصوصيات مكوناتها، كما لا تُبنى بتكريس الانقسامات الداخلية، بل بإيجاد صيغة توازن عادلة تحمي الدولة وتحترم شركاءها في الوقت نفسه.