نبيل عبد الأمير الربيعي
في مشهدٍ يجسد احترام الأمم لعقولها الكبرى، ودّعت فرنسا المفكر والفيلسوف وعالم الاجتماع إدغار موران خلال مراسم تكريم وطني ترأسها الرئيس إيمانويل ماكرون في مجمع الأنفاليد بباريس، الصرح الذي يحتضن ذاكرة فرنسا ورموزها التاريخية. ولم يكن هذا الوداع مجرد احتفاءٍ بشخصية أكاديمية مرموقة، بل اعترافاً بمكانة مفكر كرّس أكثر من ثمانية عقود من حياته للدفاع عن الإنسان والعقل والحوار والسلام.
ورحل موران مساء التاسع والعشرين من مايو/أيار 2026 في باريس عن عمر ناهز 105 أعوام، تاركاً وراءه إرثاً فكرياً يعد من أبرز المنجزات الفكرية في القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين.
النشأة والتكوين

وُلد إدغار ناحوم، المعروف لاحقاً باسم إدغار موران، في الثامن من يوليو/تموز 1921 في باريس، لأسرة يهودية تعود جذورها إلى مدينة سالونيك اليونانية. وقد شكّل رحيل والدته الإيطالية الأصل وهو في العاشرة من عمره جرحاً مبكراً ظل حاضراً في وجدانه، وترك أثراً عميقاً في نظرته إلى الحياة والموت والوجود الإنساني.
منذ شبابه المبكر أبدى اهتماماً بالشأن العام، فانخرط عام 1936 في النشاط المناهض للفاشية خلال الحرب الأهلية الإسبانية. ومع احتلال ألمانيا النازية لفرنسا التحق بالمقاومة الفرنسية السرية، وانضم إلى الحزب الشيوعي الفرنسي عام 1941. وخلال تلك المرحلة اتخذ اسماً حركياً، إلا أن خطأً عابراً في تقديمه لأحد رفاق المقاومة جعله يُعرف باسم “موران”، وهو الاسم الذي رافقه حتى نهاية حياته.
درس التاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس، واهتم بالاقتصاد والعلوم السياسية والأدب. وحصل عام 1942 على شهادات أكاديمية في التاريخ والجغرافيا والقانون، قبل أن تمنحه لاحقاً عشرات الجامعات العالمية الدكتوراه الفخرية تقديراً لعطائه العلمي والفكري.
من الحرب إلى الكتابة
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، شارك موران ضمن قوات التحرير الفرنسية في ألمانيا، وشاهد عن قرب آثار الدمار الهائل الذي خلفته الحرب. وكانت زيارته لبرلين المدمرة مصدر إلهام لكتابه الأول “السنة صفر لألمانيا” الصادر عام 1946، والذي تناول فيه أوضاع المجتمع الألماني بعد الحرب ورؤيةً للمصالحة الأوروبية المستقبلية.
وخلال السنوات اللاحقة أخذت علاقته بالحزب الشيوعي تتعرض للاهتزاز. فمنذ عام 1949 بدأ يبتعد تدريجياً عن مواقفه السابقة، قبل أن يُطرد من الحزب عام 1951 بسبب آرائه النقدية. وقد شكّلت تلك التجربة منعطفاً حاسماً في حياته الفكرية، إذ قادته إلى مراجعات عميقة تجلت لاحقاً في كتابه “النقد الذاتي” الصادر عام 1959، حيث ناقش أخطاء التجربة الشيوعية ومخاطر الانغلاق العقائدي، مؤسساً لنهجه النقدي الذي لازمه طوال حياته.
المثقف الملتزم

لم يكن موران مفكراً منعزلاً عن قضايا عصره، بل انخرط في النقاشات السياسية والأخلاقية الكبرى. ففي عام 1955 شارك مع مجموعة من المثقفين الفرنسيين، بينهم جان بول سارتر، في تأسيس حركة معارضة للحرب الفرنسية في الجزائر، ودافع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها.
كما ارتبط بالعالم العربي بعلاقات فكرية وإنسانية وثيقة. فقد حاضر ودرّس في عدد من البلدان العربية، وأبدى اهتماماً خاصاً بقضايا المنطقة، وأعلن دعمه للحوار بين الثقافات والشعوب. وعلى الرغم من أصوله اليهودية، عُرف بمواقفه المؤيدة للحقوق الفلسطينية وانتقاده للسياسات الإسرائيلية، الأمر الذي عرّضه لحملات انتقاد وملاحقات قضائية في بعض المراحل.
وفي عام 2012 تزوج الباحثة المغربية صباح أبو السلام، التي جمعته بها شراكة فكرية وإنسانية مميزة، وأسهمت معه في مراجعة وإعداد عدد من مؤلفاته وأعماله الفكرية.
فكر التعقيد ومشروع “المنهج”
يُعد إدغار موران من أبرز المنظرين لما عُرف بـ”الفكر المركب” أو “فكر التعقيد”، وهو مشروع فلسفي ومعرفي سعى من خلاله إلى تجاوز النظرة الاختزالية للواقع. فقد رأى أن العالم أكثر تشابكاً وتعقيداً من أن يُفهم عبر تخصص منفرد أو رؤية أحادية.
وتجلّى هذا المشروع في عمله الموسوعي الكبير “المنهج” الذي صدر في ستة مجلدات بين عامي 1977 و2004. وفيه دعا إلى ربط العلوم الإنسانية والطبيعية والفلسفية في إطار معرفي واحد، مؤكداً أن المعرفة الحقيقية لا تقوم على الفصل بين الظواهر بل على فهم العلاقات التي تربط بينها.
ومن أشهر مقولاته في هذا السياق: “كلما ازداد ما نعرفه عن الإنسان، قلّ ما نفهمه”، وهي عبارة تختصر رؤيته النقدية للمعرفة الحديثة وحدودها.
نقد الحداثة والهمجية المعاصرة
انشغل موران طويلاً بتحليل أزمات الحضارة الحديثة، وتناول مفهوم “الهمجية” بوصفه ظاهرة متجذرة في التاريخ الغربي. وقد رأى أن العنف والاستعمار والشمولية والتعصب ليست حوادث معزولة، بل تعبيرات مختلفة عن نزعات كامنة في مسار الحداثة نفسها.
وفي كتابه “إلى أين يسير العالم؟” الصادر عام 2007، حذّر من الاعتقاد بأن التقدم التقني والعلمي يقود بالضرورة إلى تقدم إنساني وأخلاقي، مؤكداً أن البشرية ما زالت تواجه مخاطر العنف والصراعات والتفاوتات العميقة رغم التطور الهائل الذي حققته.
إرث فكري عالمي
على امتداد أكثر من سبعة عقود من الإنتاج الفكري، أصدر موران ما يزيد على مئة كتاب تناولت قضايا المعرفة والسياسة والثقافة والهوية والحضارة الإنسانية. ومن أبرز مؤلفاته: “السنة صفر لألمانيا”، و”النقد الذاتي”، و”فيدال وعائلته”، و”الثقافة والبربرية الأوروبية”، و”التجوال”، و”إلى أين يسير العالم؟”، و”طريقتي”، فضلاً عن مذكراته التي صدرت في مجلدين تحت عنوان “يوميات”.
وحصد خلال مسيرته عدداً كبيراً من الجوائز والأوسمة العالمية، من بينها ميدالية اليونسكو الذهبية عام 2001، وجائزة ابن خلدون في تونس عام 2015، كما مُنح أرفع درجات وسام جوقة الشرف الفرنسي عام 2021 بمناسبة بلوغه المئة عام، فضلاً عن حصوله على الدكتوراه الفخرية من 38 جامعة حول العالم.
رحيل الجسد وبقاء الفكرة
برحيل إدغار موران فقدت فرنسا والعالم أحد أبرز المدافعين عن العقل النقدي والحوار الإنساني. غير أن الأفكار التي تركها ستظل حاضرة في الجامعات ومراكز البحث والمنتديات الفكرية، شاهدة على مسيرة استثنائية لرجل سعى إلى فهم تعقيد العالم والدفاع عن إنسانية الإنسان.
لقد أدرك موران أن المعرفة ليست تراكم معلومات فحسب، بل مسؤولية أخلاقية تجاه المستقبل. ولذلك سيبقى اسمه مرتبطاً بالدعوة إلى التفكير الحر، وإلى بناء عالم أكثر عدلاً وتسامحاً، وإلى الإيمان بأن الحوار بين البشر هو السبيل الوحيد لمواجهة أزمات العصر وتعقيدات الحياة.