قطعة أرض لكل مواطن .

فراس الحمداني.

حين يتم الاعلان عن ( قطعة ارض لكل مواطن مجانا” ) على لسان رئيس الوزراء العراقي فلن يتم التعامل معه كتصريح إداري عابر بل كاختبار مباشر لمدى قدرة الدولة على الاقتراب من أكثر الملفات حساسية في حياة العراقيين وهو ملف السكن الذي ظل لعقود طويلة أحد أبرز مصادر القلق الاجتماعي والاقتصادي .
التصريح لم يأت بصيغة الوعود التقليدية التي اعتادها المواطن بل حمل توجها مختلفا يقوم على إشراك رجال الأعمال وكبرى الشركات في عملية التنفيذ بما يعني أن الدولة لن تتحرك وحدها هذه المرة بل تحاول بناء شراكة أوسع لتوليد حلول عملية لأزمة تتجاوز إمكانات جهة واحدة ..
وهذه الصيغة تفتح باب مهم لإعادة التفكير في مفهوم الدولة من كونها جهة توزيع مباشر إلى كونها منسق لمشاريع كبرى تجمع بين المال العام والقطاع الخاص بهدف إنتاج وحدات سكنية وأراض قابلة للتملك وهو ما قد يحول ملف السكن من عبىء مزمن إلى فرصة اقتصادية وتنموية ..
لكن في المقابل فإن الفكرة رغم جاذبيتها تضع نفسها مباشرة أمام سؤال التنفيذ فالعراق يمتلك تاريخ طويل مع الوعود و المشاريع التي تبدأ بإعلان كبير وتنتهي عند تعقيدات الواقع الإداري والتمويلي وهنا يصبح معيار النجاح ليس في قوة الطرح بل في دقة التطبيق وعدالة التوزيع وشفافية الآليات ..
كما أن إدخال القطاع الخاص في ملف بهذا الحجم يفتح نقاش آخر حول طبيعة التوازن بين الاستثمار والعدالة الاجتماعية وهل يمكن الضمان بأن لا يتحول المشروع إلى تفاوت في الفرص أو تفاوت في الوصول إلى الأرض بين فئات المجتمع المختلفة ؟
وما بين التفاؤل الذي يرى في التصريح فرصة لإطلاق حل جديد لأزمة السكن وبين الحذر الذي ينتظر تفاصيل التنفيذ يبقى الحكم عليه مؤجلا إلى ما بعد الانتقال من القول إلى الفعل ..
وفي المحصلة فإن قطعة الأرض في الوعي العراقي ليست مجرد أصل عقاري بل هي نقطة بداية لحياة مستقرة ومفتاح لأمان اجتماعي طويل الأمد وهي في النهاية ليست مساحة ترابية فقط بل بداية حقيقية لما يمكن أن نسميه وطن صغير لكل مواطن .

قد يعجبك ايضا