سهيل الزهاوي
مقاربة بنيوية- سيميائية- نفسية- سياسية
المقدمة
تسعى هذه الدراسة إلى قراءة ومضة يحيى السماوي قراءةً متعددة المستويات، بالاستناد إلى مقاربات بنيوية وسيميائية ونفسية، إلى جانب البعد السياسي والاجتماعي للنص. وتنطلق من محاولة الكشف عن البنية الدلالية التي تقوم عليها الومضة، وكيفية تحوّل صور الألم والخسارة داخلها إلى علاماتٍ للوعي والانبعاث والتجدد.
وتعتمد الدراسة على تتبع الحركة الداخلية للنص بوصفه بناءً تصاعديًا يبدأ بنفي الوعود الزائفة، ثم ينتقل إلى وعيٍ قادر على تحويل المرثية إلى ميلاد جديد، قبل أن يربط بين المأساة وإمكان العيد، وصولًا إلى صورة البذرة التي تجعل من الدفن شرطًا للخصب والحياة.
كما تحاول الدراسة إبراز العلاقة بين الذاتي والجماعي في القصيدة، حيث لا يظهر الحزن بوصفه تجربة فردية معزولة، بل باعتباره تعبيرًا عن معاناةٍ إنسانية واجتماعية أوسع. ومن خلال ذلك تتكشف الومضة بوصفها خطابًا شعريًا يواجه الوهم والخلاص السهل، ويمنح الوعي والإرادة الإنسانية دورًا أساسيًا في إعادة تشكيل الواقع ومقاومة الانكسار.
نص القصيدة
ومـضـة
لـيـسَ وعْـداً بـالـفـراديـسِ ..
فـقـد كـان وَعِـيـدا :
*
هَـيَّـأتْ مـرثـيـةً لـيْ ..
وأنـا هـيَّـأتُ مـيـلاداً جـديـدا
*
إنْ يـكـنْ يـومـيَ مـأسـاةً
فـإنَّ الـغـدَ قـد يُـصـبـحُ عِـيـدا
*
حَـبَّـةُ الـقـمـحِ إذا تُـدفَـنُ
قـد تـمـلأُ بـالــخـضـرةِ والـسـنـبـلِ بِـيـدا
**
تفسير الابيات
الوعي بوصفه نقيض الوعد
لـيـسَ وعْـداً بـالـفـراديـسِ .. فـقـد كـان وَعِـيـدا :
يفتتح يحيى السماوي ومضته بنفيٍ حاسم لأي وعدٍ بالخلاص المطلق، إذ تأتي عبارة:
“ليس وعدًا بالفراديس“
لتقويض الأحلام الطوباوية والخطابات التي تعد الإنسان بجنّةٍ مؤجلة بعيدة عن واقع الألم والمعاناة. فالفراديس هنا ليست مكانًا دينيًا فحسب، بل رمزٌ للخلاص السهل الذي اعتادت الشعوب أن تُخدَّر به وسط القهر والانكسارات.
لكن الشاعر يفاجئ القارئ بالانتقال من “الوعد” إلى “الوعيد”، فينقلب الخطاب من لغة التطمين إلى لغة الإنذار. غير أن “الوعيد” لا يظل في معناه المباشر بوصفه تهديدًا فقط، بل يتحول إلى حالةٍ من اليقظة والإدراك؛ فالمعاناة نفسها تصبح مصدرًا للوعي. وكأن الشاعر يرى أن الشعوب لا تبلغ حقيقتها عبر الأحلام، بل عبر الصدمات التي تكشف الواقع وتدفع إلى المقاومة.
ومن الناحية النفسية، يكشف البيت عن ذاتٍ فقدت ثقتها بالوعود الكبيرة بعد تجارب قاسية، لذلك لم تعد تنتظر فردوسًا قادمًا، بل صارت أكثر التصاقًا بالحقيقة مهما كانت مؤلمة. أما سياسيًا، فالبيت يحمل رفضًا ضمنيًا للخطابات الزائفة التي تؤجل العدالة وتَعِد بالخلاص دون تغييرٍ حقيقي، ليصبح الوعي بالفعل التاريخي واليقظة الجماعية هو البديل عن انتظار المعجزة.
وهكذا يؤسس البيت منذ بدايته لرؤيةٍ فكرية ترى أن الخلاص لا يولد من الوهم، بل من الإدراك العميق للمأساة ومواجهتها.
من وعيِ المرثية إلى صناعةِ الميلاد
هَـيَّـأتْ مـرثـيـةً لـيْ .. وأنـا هـيَّـأتُ مـيـلاداً جـديـدا
في هذا البيت يبني يحيى السماوي ثنائيةً حادة بين الموت الرمزي والانبعاث، عبر تقابلٍ دلالي بين “المرثية” و”الميلاد”. فقولُه:
“هيأتْ مرثيةً لي“
يوحي بأن قوىً خارجية — سياسية أو اجتماعية أو تاريخية — دفعت الذات نحو الخسارة والحزن، حتى بدا وكأن المصير المعدّ لها هو الرثاء والانطفاء. فالمرثية هنا لا تعني الموت الفردي فقط، بل تشير إلى محاولة إلغاء الإنسان معنويًا وتاريخيًا.
غير أن الشاعر يقلب هذا المصير عبر الجملة المقابلة:
وأنا هيأتُ ميلادًا جديدًا“
إذ تنتقل الذات من موقع المتلقي للخراب إلى موقع الفاعل القادر على إعادة تشكيل مصيره. والميلاد هنا لا يحمل معنى البداية البيولوجية، بل يرمز إلى ولادة وعيٍ جديد وإرادة مقاومة تتجاوز آثار الهزيمة.
ويكتسب البيت قوته البلاغية من تكرار الفعل “هيأت”، فالفعل ذاته استُعمل في اتجاهين متضادين: الخارج يُعِدّ المرثية، بينما الذات تُعِدّ الميلاد. ومن خلال هذا التوازي تتجلى إرادة التحدي؛ إذ يتحول الألم من نهايةٍ مغلقة إلى نقطة انطلاق نحو بناء جديد.
وعلى المستوى الرمزي، يجعل الشاعر من الحزن شرطًا للانبعاث، وكأن المراثي نفسها تصبح التربة التي ينمو منها الميلاد القادم. لذلك لا يبدو البيت استسلامًا للمأساة، بل إعلانًا لقدرة الإنسان على تحويل الخسارة إلى فعل خلقٍ وتجدد.
جدل المأساة والعيد: احتمال التحوّل
في هذا البيت يواصل يحيى السماوي بناء رؤيته القائمة على تحويل الألم إلى أفقٍ جديد، عبر صياغة شرطية تجمع بين الاعتراف بالمأساة والانفتاح على إمكان التغيير:
“إنْ يكنْ يوميَ مأساةً
فإنَّ الغدَ قد يُصبحُ عيدًا“
يفتتح الشاعر الجملة بأداة الشرط “إنْ”، وكأنه يواجه الواقع كما هو، دون إنكارٍ للوجع أو تجميلٍ للمحنة. فالمأساة هنا ليست احتمالًا بعيدًا، بل تجربة معيشة تثقل الحاضر وتكشف قسوة الزمن.
غير أن البيت لا يتوقف عند حدود الألم، بل ينتقل إلى المستقبل عبر كلمة “الغد”، التي تحمل إيحاءً بزمنٍ مفتوح على التحول. ويأتي استخدام أداة الاحتمال “قد” بالغ الدلالة؛ إذ لا يمنح الشاعر وعدًا يقينيًا بالخلاص، بل يترك الباب مفتوحًا أمام إمكانية التغيير. وهذا ما يمنح الأمل طابعًا واقعيًا لا وهميًا، فالعيد لا يتحقق بوصفه معجزة جاهزة، بل بوصفه ثمرةً محتملة للصبر والمقاومة والاستمرار.
وتنبع قوة البيت من هذا التوتر بين المأساة والعيد، بين الحاضر المثقل بالخسارة والمستقبل القابل للانبعاث. فالشاعر لا ينفي الألم، بل يجعله جزءًا من الطريق نحو التحول، وكأن المعاناة نفسها قد تصبح الشرط الذي يمنح الفرح القادم معناه الحقيقي.
وعلى المستوى الرمزي، يتحول “العيد” من مناسبة زمنية إلى رمزٍ للتحرر واستعادة الكرامة والانتصار على الانكسار، ليغدو البيت بأكمله إعلانًا عن إيمانٍ إنساني بأن أكثر اللحظات ظلمة قد تحمل في داخلها بذور الفجر القادم.
/////////////////////