محسن دزه ايي
تكمن أهمـية هذا الـكتاب فـيمـا يفـتحـه من النوافـذ أمـام أنظار القراء فهـو عبارة عن سيرة الحياة الشخصية والسياسية للمناضل البارز في صفوف حركة التحرر الكوردستانية ، (محسن دزه يي).
يغطي كتاب (احداث عاصرتها) أيام طفولتـه ومراحل دراسـته ثم الاحداث التـي وقعت في محطات حياته المختلفة من مزاولة مهنة المحاماة والتجارة،الى التحاقه بالثورة الكوردية عام 1963 كبيشمركة وسياسي،ومن ثم توليه مسؤوليات قيادية هامة في صفوف الحزب الديمقراطي الكوردستاني والثورة الكوردية، ولأهمية هذه الشخصية القيادية البارزة ودوره الفاعل في الحركة التحررية الكوردستانية، ندعوا قراءنا الى متابعة مجريات الأحداث والذكريات التي عاصرها المناضل (دزه يي) خلال محطات حياته.
الجزء التاسع والثلاثين
قد رأيت شخصيأ آثار تلك الأعمال الانتقامية البربرية وصادفت في طريق عـودتي الى المنطقة، عشرات الجثث للدواب والمواشي مرمية في الطريق أو الدواب الجرحى المتروكة من قبل أصحابها وهي تنزف دماً، وشاهدت في حالات عديدة مهرة صغيرة تقف الى جانب جثة أمها القتيلة، أو أن احداها قد فقدت أحدى سيقانها، كانت مناظر تشمئز منها النفوس، حبذا لو شاهدت تلك المناظر جمعيات الرفق بالحيوان العالمية، ناهيك عن جمعيات حقوق الأنسان.
وصلت الى مقرنا في منطقة مضيق بدران والتقيت بزملائي فى المكتبين السيـاسي والتنفيذي، وقد غمرهم السرور نتيجة انتصار قواتنا الساحق وتلك الهزيمة الكبرى لقـوات النظام، وتبادلنا التـهاني البريئة وأقيمت الولائم البسيطة بصورة دورية من قبل كل واحد منا وكـانت عبارة عن شراء نعجة وذبحها وتوزيع لحومها على منتسبي المقر، أو شراء عدة دجاجات وتقديم وجبة شهية من الرز واللحم وأحدى الخضراوات المتوفرة آنذاك.

كنا بأنتظار بادرة جديدة للحوار من قبل الحكومة المركزية بعد فشل السبل العسكرية في حل القضية الكوردية، انتظرت عدة أيام للأستراحة من عناء السفر كنا نقضيها بتلك الطريقة المرحة ونحن لانزال نستلم البرقـيات من قيادة قواتنا ومن قيادة جبهة القـتـال بتفاصيل الانتـصارات والغنائم التي حصلت عليها قواتنا، وفي كل يوم كان يتم العثور على كمية أخرى من الأسلحة و الاعتدة أو يعثر على عدد آخر من جثث الجنود القتلى المتروكة في ميـدان المعركة، وقد أعلنت قيادة الثورة عن استعدادها لتسليم جثث القتلى الى رجال الدين والمدنيين والجنود غير المسلحين لكي تجمع وتدفن حسب تعاليم الدين الاسلامي الحنيف ومراعاة للجانب الانساني.
وتم جمع الاسلحة والمعدات التي غنمتها قواتنا في المقر الخلفي لقيادة جبهة القتال لغرض تعدادها وخزنها في مخازن الثورة، وكان عددها كبيراً جداً ومن مختلف أنواع الاسلحة الخفيفة منها والثقيلة وكمية هائلة من العتاد واللوازم.
بعد تلك الفترة القصيرة من الاستراحة في مقرنا توجهت الى منطقة حاج عمران، حيث كان يتـواجد قائد الثـورة ورئيس الحزب مصطفى البارزاني وذلك لأجل نقل نتائج سفري له وكذلك لتقديم التهاني له بتلك الانتصارات، وجدته متألماً بسبب ما حل بالجيش العراقي، وأخذ يلوم الحكام والعسكريين الذين تسببوا في احلال تلك الهزيمة بها وبسبب الأرواح البريئة التي قد أزهقت في تلك الحملة الفاشلة، وقال بأنهم لو حاولوا حل القضية بطرق سلمية واستمروا في محاولاتهم السابقة ولم يجازفوا بتلك المحاولة العسكرية البائسة، لوفروا أرواح اولئك الجنود الأبرياء الذين هم أبناء هذا الشعب وهذا الوطن ولجنبوا جيشهم تلك الهزيمة وذلك الخنوع.
بعد تلك الفترة القصيرة من الاستراحة في مقرنا توجهت الى منطقة حاج عمران، حيث كان يتـواجد قائد الثـورة ورئيس الحزب مصطفى البارزاني وذلك لأجل نقل نتائج سفري له وكذلك لتقديم التهاني له بتلك الانتصارات، وجدته متألماً بسبب ما حل بالجيش العراقي، وأخذ يلوم الحكام والعسكريين الذين تسببوا في احلال تلك الهزيمة بها وبسبب الأرواح البريئة التي قد أزهقت في تلك الحملة الفاشلة، وقال بأنهم لو حاولوا حل القضية بطرق سلمية واستمروا في محاولاتهم السابقة ولم يجازفوا بتلك المحاولة العسكرية البائسة، لوفروا أرواح اولئك الجنود الأبرياء الذين هم أبناء هذا الشعب وهذا الوطن ولجنبوا جيشهم تلك الهزيمة وذلك الخنوع.
بعد قضاء ليلة واحدة في تلك المنطقة طلب مني البارزاني تزويده بعض المسدسات من النوع الخفيف والحجم الصغير، اذا كـان ذلك متوفراً عند زملائي ومعارفي لأهدائها الى بعض من ساهموا في تلك المعركة البطولية وكنت شخصياً أحمل واحداً من ذلك النوع، وكذلك طلب مني السفر الى طهـران لأجل شراء بعض العملة من الدنانير العراقية بالمبلغ المتوفر لديه من الدولارات، وكان مبلغاً متواضعاً لايتجاوز الستون ألف دولار، وكان يعتبر في ذلك الوقت مبلغاً لابأس به يسد بعض احتياجاتنا، فوعدته بأن أعود للقائه في أقرب فرصة بعد أن أجمع مايتوفر من المسدسات، وكنا في أواخر شهر مايس سنة 1966، فقفلت راجعاً في اليـوم التـالي الى مقر المكتبين السياسي والتنفيذي لهذا الغرض والاستعداد للسفر الى طهران.
كان معي أحد الضباط الايرانيين الذي كان يقيم في منطقة مقرنا وأوعـز اليه البارزاني بالحصول على الموافقة اللازمة لسفري الى طهران، وكنا نستقل السيارات من حاج عمران حيث كان الطريق مبلطاً -أي طريق هاملتن۔ الى قرية قصري حيث ينتهي طريق السيارات ويتم الباقي أما سيراً على الأقدام أو بواسطة الدواب ولبضعة ساعات، وصادفنا في الطريق مناظر مؤذية أخرى من النوع الذي كنت قد شاهدته قـبل عدة أيام وشاهدنا مهرة أخرى بجانب جثة أمها وقد انهكها الجوع فحاولنا السير بها وأيصالها الى مقرنا، وقد أخذ الضابط الايراني وكان برتبة عقيد أو عميد وأسمه (مدرسي)- وأجهل أسمه الأول- وكان ينادى ب (علي)، أخذ هذه المهمة على عاتقه وأراد نقل المهرة الى مقره ليقدم لها مايتوفر من الحليب والغذاء، وقد هاجر أهالي المنطقة ورحلوا الى أماكن آمنة خوفاً من قصف الطائرات الشديد، لذا لم نتمكن من العثور على أحد يتولى تبني تلك المهرة الصغيرة، الا انها كانت في حالة أعياء وجوع شديدين بحيث كان يصعب عليها صعود الطريق المرتفع الى حد ما، فأضطر الضابط المذكور الى الترجل وحمل المهرة على الدابة التي كان يستعملها الى أن وصلنا الى القرية التي كان يبيت فيها، فغذاها ورباها لبضعة أيام الى أن ظهر صاحبها فأخذها بعد أن دبت فيها الحياة والحيوية ثانيةً.
ووصلت مقرنا وقمت بجمع المسدسات المتوفرة من الأنواع التي طلبها البارزاني من زملائي ومن بعض أفراد البيشمركة المتواجدين في المنطقة فيما اذا توفرت لديهم، وكنت أعد صاحب أي مسدس يجمع منه بنوع أفضل وأكبر حجماً، وكنت أول من نفذ الطلب المذكور وكان يشمل ذلك الأخ سامي عبدالرحمن الذي كان يعمل في قسم الأعلام العائد للحزب والثورة وكان مقرهم في قرية (ليوزه) القريبة من مقرنا، وقال بأن المسدس الذي يحمله هو قطعة السلاح الوحيدة التي حصل عليها من الثورة فيرجو تعويضه بأخرى، وقد وعدته بذلك وفعلأ أوفيت بوعدي.
السفر الى طهران
أخبرني الضابط الايراني بورود الموافقة على سفري الى طهران ومعي مرافقي عمر قادر ،فجمعت المسدسات المطلوبة وسافرت الى حاج عمران في أوائل شهر حزيران من العام 1966 ومعي مرافقي عمر وأحد أفراد حمايتي وهو حيدر بيرداود الذي رافقني الى حاج عمران، وبعد أن قابلت البارزاني وسلمته المسدسات التي لم يتجاوز عددها العشر طلب من أدريس ان يسلمني المبلغ المنوي تبديله بالدنانير العراقية، فقام ادريس بذلك وكان من المقرر أن أغادر في الصباح الباكر اذ تكون العربة العسكرية التي تقلني جاهزة. في تلك الفـتـرة كنت أسمع عن بعض حركات المنشقين ومحـاولة كسب بعض الوحدات المؤيدة لهم والتمرد على قيـادة الثورة، ولما كان شقيقي كاك أحمد على رأس وحدة قـوامها فوج ومستقرة في منطقة كويسنجق وقريبة من منطقة وادي خلكان وسد دوكان حـيث يجري بعض أنشطة المنشقين، فقد أصابني بعض القلق بسبب شقيقي وبسبب علاقاته القديمة وصداقاته مع بعض قادة المنشقين، فحررت رسالة شخصية الى المرحوم نافذ جلال الذي كان يرأس المكتب العسكري في المكتب التنفيذي ومن أقرب أصدقائي الشخصيين، طلبت منه سحب شقيقي أحمد ليـقيم في مقرنا لكي أجنبه المشاكل ولكي لايتورط في مثل تلك الأعمال الدائرة في تلك المنطقة، وقد سلمت الرسالة الى حيدر بيرداود لكي يسلمها الى نافذ جلال، وغادرت في اليـوم التـالي أي في الاسبوع الاول من شهر حزيران، وقد تأخر الاخ نافذ جلال عن تنفيذ محتويات الرسالة لعدم حدوث شيء في تلك المنطقة بعد.
“وذات يوم حضر الفندق المفتي ومعه ضابط ايراني وهو المقدم عيسى بزمان الذي كنت أعرفه سابقاً والذي ذكرت عن زيارته سنة 1963 لقلعة دزه ولماوت سنة 1964 ، فصافحته مرحباً به، وطلب مني الجلوس منفردأ لينقل لي بعض الاخبار ولما جلسنا في أحدى الغرف هو وشمس الدين وأنا بادرني بالقول بأن شقيقي كاك أحمد قد أنضم الى المنشقين (لم يستعمل هو كلمة المنشقين بل فئة المكتب السياسي لتعاطفه معهم)، وأنهم أي المتمردين قد انسحبوا الى المناطق الحكومية، وقع الخبر علي كالصاعقة وتأسفت جدأ لذلك”
استغرق سفري الى طهران زهاء يومين وقضينا ليـلة في سنندج ثم غـادرنا في اليوم التالي وصلنا طهران مساء ذلك اليوم، حيث حللت مع مرافقي عمر في أحد الفنادق واتصلت هاتفياً بممثل قـيادة الثورة الكوردية في طهران السيد شمس الدين المفتي، الذي حضر في صبيحة اليوم التالي وبعد أن أفهمته الغرض من مجيئي حاولت أن أسلمه المبلغ الذي بذمتي لغرض تبديله فضل أن أقوم بنفسي بهذا العمل لأني شخصياً كنت من كلف بذلك، وبعد أن أقتنيت بعض الملابس قمت أنا بتلك المهمة بعد أن رافقني عبدالزاق منكوري المقيم في طهران والذي سبق وأن أشرت اليه، وكنت أقوم بتبديل قسم من المبلغ في كل يوم ويعد أكمال ذلك أي حوالي المنتصف من الشهر نفسه طلبت من شمس الدين أن يطلب من السلطات تهيئة وسيلة عودتي الى كوردستان. وأنتظرت يوماً أو يومين وذات يوم حضر الفندق المفتي ومعه ضابط ايراني وهو المقدم عيسى بزمان الذي كنت أعرفه سابقاً والذي ذكرت عن زيارته سنة 1963 لقلعة دزه ولماوت سنة 1964 ، فصافحته مرحباً به، وطلب مني الجلوس منفردأ لينقل لي بعض الاخبار ولما جلسنا في أحدى الغرف هو وشمس الدين وأنا بادرني بالقول بأن شقيقي كاك أحمد قد أنضم الى المنشقين (لم يستعمل هو كلمة المنشقين بل فئة المكتب السياسي لتعاطفه معهم)، وأنهم أي المتمردين قد انسحبوا الى المناطق الحكومية، وقع الخبر علي كالصاعقة وتأسفت جدأ لذلك، وقد المح لي السيد بزمان بأن البارزاني قد يكـون غاضباً من هذا التصرف وقد يسيء معاملتي فأكدت بأني أريد العودة بأسرع وقت ممكن وأني أتحمل النتائج مهما كانت وان البارزاني قد أئتمنني، فيجب أن أكون موضع هذه الثقة، وأكدت له بأنني سوف لن أنضم الى المنشقين ولا الى الحكومة العراقية بل أعود الى كوردستان.

وفي اليـوم الـتـالى دعاني الجنرال معتضـد وهو نائب رئيس جـهـاز الساواك، فذهبت مع شمس الدين المفتي للقائه، فبعد أن اعاد علي الخبر المح لي المخاطر التي تنتظرني، فقلت له أنني في غاية التألم من هذا الخبر وكل ما أرجوه هو اعادتي الى كوردستان بالسرعة الممكنة، وقد أكدت له ايضأ بأني لا أنضم الى المنشقين ولا أعود الى الحكومة العراقية التي حاربتها لعدة أعوام، وأضفت قائلأ: بأنني سوف أعود الى قيادة الثورة الكوردية وفيما اذا رفضني البارزاني فسوف أعود الى ايران للعيش فيها أو في أي بلد أجنبي دون الانضمام للمنشقين أو العودة الى النظام العراقي. ولما رأى الجنرال معتضد اصراري أخذ يعاملني برفق ويؤكد لي استـعـداد ايران لقـبولي، وأن الحدود مفتوحة أمامي متى ما شئت، ثم أمر بتهيئة وسيلة نقل لكي أعود في اليوم التالي الى كوردستان.
غادرنا طهران في التاسع عشر من حزيران أنا ومرافقي عمر قادر وكان معنا عبدالباري شيخ سليمان البارزاني الذي كان في طهران للمعالجة، قضينا ليلة في مدينة سنندج ايضأ، وفي اليوم التالي توجهنا الى حـاج عــمران وصلناها في حوالي الساعة التاسعة مساءاً، استقبلنا هناك كل من أحمد حـاجي وغزالي ميرخان اللذين كانا مسؤولين عن نقطة الحدود مع ايران وأخبراني بأن البارزاني ينتظر في قرية خلان ويطلب حضـوري حال وصـولي، فتوجهت الى القرية المذكورة برفقة أحمد حاجي بعد أن سلمت أمتعتي الى مرافقي عمر لنقلها الى مقرنا، وبعد حوالي ربع ساعة وصلنا قرية خلان وتوجهت الى مبنى المدرسة حيث كان البارزاني، ولما دخلت الغـرفة المقصودة فوجئت بوجود عدد كبير من الضيـوف القادمين من بغداد من الشـخصـيات الكوردية والعراقية وخاصة من الذين لهم علاقة أو معرفة سابقة بالبارزاني، سلمت على الحاضرين فنهض البارزاني من مكانه وصافحني بحرارة ثم أخبر الضيوف بأسمي وكنت أعرف أكثرهم وسلمت عليهم وصافحتهم واحدأ واحدأ ، وعرفت منهم الدبلوماسي الكوردي المحنك والوزير السابق علي حيدر سليمان والدكتور محمد صالح محمود الذي كان وزيرأ للصحة بعد انقلاب الرابع عشر من تموز سنة 1958 واللواء الركن المتقاعد إبراهيم الراوي أحد قادة الجيش السابقين، والمحامي زيد أحمد عثمان من أربيل وهو ابن خالتي واللواء المتقاعد عبدالمجيد علي والعقيد المتقاعد رؤوف احمد قادر وهما من أهالي السليمانية وكانت لي معرفة سابقة بهما وغيرهم ممن لاترد اسمائهم في خاطري الآن. وقد ابدى بعضهم دهشته لمشاهدتي بصحة جيدة عائداً من طهران ،اذ إن بعض المنشقين قد اشاع بأن قيادة الثورة قد القت القبض علي ومختلف القصص الاخرى، وعلمت بأنهم مبعوثون من قبل الحكومة المركزية للتمهــيد لأجل الدخول في حوار مع قيادة الثورة الكوردية لأجل أيجاد حل سلمي للقضية الكوردية، وانهم مبعـوثون بصورة خاصة من قبل رئيس الوزراء عبدالرحمن البزاز الذي أبدى رغبته مجدداً، بعد فشل الحملة العسكرية والهزيمة التي لحقت بالجيش في معركة هندرين- في حل القضية سلمياً.