محمد علي محيي الدين
يُعدّ الشاعر صالح الجعفري واحدًا من أبرز الأصوات الأدبية التي أنجبتها مدينة النجف في القرن العشرين، فهو شاعر وباحث ومربٍّ جمع بين ثقافة الحوزة العلمية ووعي المثقف الحديث، واستطاع أن يفتح لنفسه مكانة متميزة في الحياة الأدبية العراقية من غير أن يتخلى عن جذوره العلمية والدينية. وقد اقترنت سيرته بحركة التجديد الأدبي والفكري التي شهدتها النجف في النصف الأول من القرن الماضي، فكان من الداعين إلى تطوير الفكر والأدب مع المحافظة على أصالة اللغة العربية وتراثها، الأمر الذي جعل حضوره يتجاوز حدود الشعر إلى الإسهام في الحياة الثقافية والتعليمية، حتى غدا واحدًا من الشخصيات التي تركت أثرًا واضحًا في تاريخ الأدب النجفي والعراقي.

ولد صالح بن عبد الكريم بن صالح بن مهدي بن علي بن جعفر الكبير كاشف الغطاء في مدينة النجف سنة 1908، في أسرة عريقة بالعلم والفقه والأدب. أما لقب “كاشف الغطاء” فقد ارتبط بالأسرة منذ ألّف الجد الأكبر الشيخ جعفر كتابه الشهير الذي حمل هذا الاسم، غير أن الشاعر آثر أن يتخذ لقب “الجعفري” عنوانًا أدبيًا له، تيمّنًا بجده وانسجامًا مع الإيقاع الشعري الذي أحب أن يُعرف به بين الأدباء. ولم تكن هذه التسمية مجرد اختيار لفظي، بل كانت تعبيرًا عن هوية ثقافية تربط بين إرث الأسرة العلمي وطموح صاحبها إلى تأسيس شخصيته الأدبية المستقلة.
نشأ الجعفري يتيمًا في كنف خاله، وكانت النجف آنذاك تعيش ازدهارًا علميًا جعلها إحدى أهم الحواضر الفكرية في العالم الإسلامي. وفي مدارسها ومعاهدها تلقى علوم العربية والبلاغة والمنطق والفقه، فدرس على نخبة من علمائها، ومنهم الشيخ مهدي الحجار، والشيخ حميد نجف، والشيخ محمد تقي صادق، كما حضر أبحاث الشيخ محمد رضا كاشف الغطاء، فامتلك أدوات اللغة والبيان، وتهيأت له بيئة ثقافية خصبة صقلت موهبته الشعرية منذ سنواته الأولى.
بدأ نظم الشعر في عمر مبكر، ولم يلبث أن أصبح أحد الوجوه المعروفة في المجالس الأدبية النجفية. وقد امتاز شعره بجزالة اللغة ورهافة الحس، لكنه لم يكن أسيرًا للنموذج التقليدي، بل دعا إلى التجديد في الفكر والسلوك الثقافي، وعدّ الأدب وسيلة للنهوض بالمجتمع لا مجرد صناعة لفظية. ولهذا ارتبط اسمه بالحركة الأدبية الحديثة التي شهدتها النجف، وأسهم مع نخبة من أدبائها في تأسيس جمعية الرابطة الأدبية، وانتخب أمينًا لسرها، فكان أحد أبرز الناشطين في تنظيم الحياة الثقافية وإحياء الندوات والمحاضرات وتشجيع المواهب الجديدة.
ولم يقتصر نشاطه على الشعر، بل انصرف أيضًا إلى التعليم، فعُيّن سنة 1935 مدرسًا في ثانوية النجف، على الرغم من أنه لم يكن يحمل شهادة أكاديمية بالمعنى المتعارف عليه، إذ جاءت تسميته استنادًا إلى كفاءته العلمية ومكانته الأدبية الرفيعة. وكان هذا التعيين شاهدًا على ما تمتعت به شخصيته من احترام وثقة لدى الأوساط العلمية والتربوية، فقد عرفه طلابه أستاذًا واسع الثقافة، يجمع بين الأدب والتاريخ واللغة، ويؤمن بأن رسالة التعليم لا تقل أهمية عن رسالة الشعر في بناء الأجيال.
ويقسم الباحثون حياة الجعفري الأدبية إلى أربع مراحل متمايزة، تعكس تطور تجربته الفكرية والشعرية. ففي المرحلة الأولى، الممتدة من ولادته حتى سنة 1925، تشكلت ملامح موهبته وظهرت محاولاته الشعرية الأولى. أما المرحلة الثانية، بين عامي 1925 و1935، فقد شهدت نضجه الأدبي وازدهار نشاطه الثقافي، وفيها كتب كثيرًا من الرباعيات والموشحات التي عدّها النقاد من أجمل ما أُنتج في هذا الفن بالعراق. ثم جاءت المرحلة الثالثة، الممتدة من سنة 1935 حتى 1956، وهي مرحلة غلب عليها الصمت الأدبي النسبي، إذ انصرف إلى التعليم وتربية الأجيال، مؤثرًا أداء رسالته التربوية على الظهور الإعلامي. أما المرحلة الرابعة، التي بدأت بعد إصابته بفقدان البصر سنة 1956 واستمرت حتى وفاته سنة 1979، فقد شهدت عودته إلى الإبداع بعد انتقاله إلى بغداد، حيث استأنف نظم الشعر وواصل نشاطه الفكري رغم ما أصابه من فقدان البصر.
ولعل فقدان نعمة البصر كان من أكثر المحطات تأثيرًا في حياته، غير أنه لم يسمح لهذا الابتلاء أن يطفئ جذوة الإبداع لديه. فقد تعامل مع المحنة بوصفها تحديًا جديدًا، واستمر في الإنتاج الشعري والبحث الأدبي، محتفظًا بحضوره في الوسط الثقافي، حتى أصبح مثالًا للمثقف الذي يتجاوز إعاقات الجسد بقوة الفكر والإرادة.
امتازت تجربة صالح الجعفري بتنوعها الفني والفكري؛ فقد كتب القصيدة العمودية والموشحة والرباعية والمزدوج والمثلث، وأظهر قدرة كبيرة على تطويع الأوزان لخدمة الفكرة والمعنى. أما موضوعاته فقد تنوعت بين الشعر الوطني والاجتماعي والوجداني والصوفي والغزل الرمزي، كما تناول قضايا الإصلاح الاجتماعي، وفي مقدمتها الدعوة إلى تحديث المجتمع، والاهتمام بالتعليم، والنظر إلى المرأة بوصفها شريكًا في النهضة، وهي مواقف جعلته في طليعة الأصوات الأدبية التي دعت إلى الانفتاح الفكري داخل البيئة النجفية المحافظة.
ويرى الناقد عبد العزيز البابطين أن شعر الجعفري يجمع بين الأصالة والتجديد، فهو يمتلك ناصية اللغة، ويجيد تنويع الأوزان والقوالب الفنية، كما يتميز بوضوح الفكرة، وسلامة التعبير، والقدرة على بناء القصيدة الطويلة دون أن يفقد تماسكها. أما الدكتور إبراهيم الوائلي فقد أشار إلى أن شعره زاخر بالقضايا الوطنية والقومية والمحلية، وأنه لم يكن شاعر مناسبات فحسب، بل كان شاعر موقف ورؤية، جعل من الكلمة أداة للدفاع عن الإنسان والوطن والحرية.
وإلى جانب الشعر، ترك الجعفري عددًا من الأعمال العلمية والأدبية المهمة، في مقدمتها ديوان الجعفري الذي صدر في النجف سنة 1975، ثم أعيد جمعه وتحقيقه بإشراف الدكتور علي جواد الطاهر وثائر حسن جاسم، فضلاً عن شرحه لديوان السيد حيدر الحلي، وتعريبه لرباعيات حسين قدسي نخعي، التي طبعت في هولندا سنة 1956، إضافة إلى عشرات المقالات والدراسات التي نشرها في الصحف العراقية والعربية، وكان يوقع بعضها بأسماء مستعارة، مما يعكس تنوع اهتماماته واتساع دائرة معارفه.
توفي صالح الجعفري في بغداد في الحادي والعشرين من آب سنة 1979، ثم نُقل جثمانه إلى النجف ليدفن في ثراها الذي أحبّه وأخلص له، مختتمًا رحلة أدبية امتدت أكثر من نصف قرن، ظل خلالها وفيًا للكلمة الحرة ولرسالته الثقافية. وقد بقي حضوره حاضرًا في ذاكرة الأدب العراقي بوصفه شاعرًا استطاع أن يصل بين تراث النجف العريق وروح العصر، وأن يقدم نموذجًا للمثقف الذي يجمع بين المعرفة الدينية، والوعي الإنساني، والالتزام الوطني، من غير أن يقع في أسر التقليد أو الانقطاع عن الجذور.
وقد استندت هذه السيرة إلى ما ورد في موسوعة المطبعي (ج1، ص373)، وإلى ما أثبته معجم الأدباء لكامل سلمان الجبوري، ومعجم الشعراء لإميل يعقوب، ومعجم البابطين لشعراء العربية في القرنين التاسع عشر والعشرين، فضلًا عن الترجمة الوافية التي أوردها علي الخاقاني في كتابه شعراء الغري أو النجفيات، وهي مصادر تكشف المكانة الأدبية الرفيعة التي احتلها صالح الجعفري في تاريخ الشعر العراقي الحديث.