من سينما “السندباد” في الموصل إلى ضفاف نهر “جمنة في الهند : رحلة دمعة لم تجف منذ السبعينيات سانتوش اناند ..الشاعر الذي ابكى الأمة الهندية بقصائده!

بدل رفو / النمسا

​في النصف الأول من السبعينيات، ومن بين جدران “سينما السندباد” العريقة في مدينة الموصل، وُلدت علاقة استثنائية مع فيلم “شور” (Shor) ومعناه بالعربية ( الضجيج) للمخرج والممثل مانوج كومار . لم يكن مجرد عرضٍ سينمائي عابر، بل كان تجربة شعورية زلزلت الوجدان، هناك حيث كانت تضج القاعة بالحياة والآهات، حفظنا الكلمات واللحن قبل أن نفهم اللغة، وكأنَّ الفيلم لم يُصنع للهند وحدهم، بل كُتب بمدادٍ إنساني يخصنا نحن أيضاً.
​شهادة من قلب “أكرا”: حين غنيتُ للخلود
​لم تقف تلك الذكريات عند حدود المشاهدة ومدينة الموصل وحبنا للافلام الهندية ، بل تحولت في عام 2011 إلى شهادة حية من أدب الرحلات حين وجدتُ نفسي في مدينة “أكرا” الهندية. هناك، وفي ظلال عظمة “تاج محل”، لم يكن التاريخ وحده ما استوقفني، بل كانت روح الشاعر سانتوش أناند تهمس في الأركان.
​في لحظة تجلٍّ لا تُنسى، شاركتُ مطرباً هندياً غناء تلك الأيقونة الخالدة: والفيديو موجود على صفحتي في اليوتيوب “الحياة ليست سوى حكايتي وحكايتك”. في تلك اللحظة، شعرتُ أنَّ المسافات تلاشت بين الموصل وأكرا، وأنَّ تلك الكلمات التي رددناها صغاراً كانت “ضميراً للإنسانية” يسكن الروح، يحيي في القلب ذكرياتٍ عتقت كالنبيذ، لتؤكد أن الفن الصادق لا يعرف حدوداً ولا جوازات سفر.

​لكنَّ الزمن لا يتوقف، وفي مشهدٍ هزَّ الملايين مؤخراً في برنامج “إنديان أيدول” (Indian Idol)، ظهر الرجل الذي صاغ هذه الأحاسيس: الشاعر سانتوش أناند(٩٧) عام . لم يظهر كما عهدناه في عنفوان عطائه، بل ظهر على كرسيه المتحرك، ترافقه رعشة المرض ووهن السنين، لكن كبرياء الشعر كان لا يزال يلمع في عينيه كمنارةٍ لا تنطفئ.

​وداعاً للألم، خلوداً للكلمة
​حين بدأت المطربة نيها كاكار غناء تلك المقطوعة بأسلوبٍ غلفه الشجن المفرط، لم يبكِ الحاضرون في الاستوديو فحسب، بل بكى كل من عرف هذا الرجل وشعره. كانت اللقطات قاسية بقدر ما هي نبيلة؛ مطربةٌ شابة تغني للحب والخلود، وشاعرٌ مكبلٌ بالجسد لكن روحه تحلق فوق المسرح.
​”في تلك اللحظة، تأكدنا مجدداً أنَّ الأجساد قد تذبل، والكراسي قد تقيد الحركة، لكنَّ الشعر الحقيقي يظل حياً، نابضاً، وعابراً للأجيال.. تماماً كما بدأ في سينما السندباد، وانتهى بدموع الوفاء على منصات التكريم.”

قد يعجبك ايضا