خالد الياس رفو
إن مسؤولية الكلمة وحدود المساءلة في زمن تتسارع فيه الكلمات أكثر من الفكرة وتسبق فيه الضوضاء صوت العقل ، برزت ظاهرة مقلقة تتمثل في أشخاص يتخذون من منصات التواصل الاجتماعي منابر لإطلاق الإهانات والتحريض والتجاوز على كرامات الآخرين دون وازع أخلاقي أو مسؤولية إنسانية ، هؤلاء لا يعبرون عن حرية رأي بقدر ما يكشفون عن خلل عميق في فهم معنى الحرية وحدودها .
الحرية في جوهرها ليست انفلاتاً من القيم ، بل هي التزام واعٍ بكرامة الإنسان الآخر وكما قال الفيلسوف أرسطو : ” إن الإنسان الفاضل هو من يضبط نفسه قبل أن يطالب الآخرين بالانضباط ” .
اللسان حين يتحول إلى أداة أذى يفقد صاحبه إنسانيته قبل أن يسيء إلى غيره ويصبح الكلام مرآة لما في الداخل من اضطراب وفقر أخلاقي ، أي إن ” كل إناء بما فيه ينضح ” .
إن من يعتاد الإساءة ثم يتذرع بالاعتذار المتكرر لا يمارس الندم الحقيقي ، بل يكرس نمطاً سلوكياً قائماً على الإفلات من المسؤولية .
هناك حكمة تقول : ” ليس الندم كلمات تقال ، بل سلوك لا يعاد ” .
الاعتذار الذي لا يسبقه وعي ولا يتبعه تغيير هو مجرد محاولة لتبييض الفعل لا لإصلاحه وقد قيل في الحكمة القديمة : ” إن الخطأ إذا تكرر لم يعد خطأ بل صار اختياراً ” .
الهجوم على كرامات الناس وخاصة على النساء والناجيات من مآسٍ إنسانية عميقة ليس مجرد انحراف لفظي ، بل هو اعتداء معنوي يمس جوهر العدالة والضمير الجمعي : ” الطعن في كرامة الجريح ، جريمة مضاعفة لا تغتفر بالصمت ” .
المجتمعات التي تسمح بإهانة الضحايا أو التشكيك في شرفهم إنما تساهم في إعادة إنتاج الألم وتطبيع القسوة وهذا أخطر من الفعل الفردي ذاته .
إن التطاول على المعتقدات الدينية ورموزها والقول : من الأفضل أن يكون رأس الهرم لأبناء الديانة الإيزيدية رجل مسلم ، ليس دليلاً على قوة أو جرأة ، بل يعكس ضحالة في الفكر وعجزاً عن الحوار الحقيقي ، ” قوة الفكرة تقاس بحجتها ، لا بحدة لسان صاحبها ” .
الفكر القوي لا يحتاج إلى الشتيمة ، بل إلى الحجة والاحترام وعليه يعد الاحترام لغة الأقوياء والشتيمة ملاذ الضعفاء وكما قال أحد الحكماء : ” إن من يرفع صوته فقد حجته ” .
غير أن المسؤولية لا تقع على الفرد وحده ، بل تمتد إلى من يتابع ويشجع ويصفق فالمتابع الذي يبرر الإساءة أو يستهين بها يشارك بشكل غير مباشر في نشرها ويمنحها شرعية زائفة ” من صفق للإساءة ، صار شريكاً فيها ” .
إن الصمت عن الخطأ أو التفاعل معه بدافع التسلية يحوله إلى ظاهرة ويمنح صاحبه شعوراً بالقوة والاستمرار والمتابع الذي يضحك للإهانة يوقع على شرعنتها ويصبح جزءاً منها .
من هنا تبرز الحاجة الملحة إلى موقف قانوني واجتماعي واضح يضع حدوداً صريحة لمثل هذه السلوكيات ، فحرية التعبير لا يمكن أن تكون غطاءً للإساءة أو التحريض أو انتهاك كرامة الآخرين ومن واجب القوانين أن تحمي الأفراد والجماعات من خطاب الكراهية وأن تفرض عقوبات رادعة على من يتجاوز هذه الحدود ، ليس انتقاماً بل حماية للنسيج الإنساني .
وفي المقابل يحتاج المجتمع إلى وعي أخلاقي يرفض هذا الانحدار ويعيد الاعتبار لقيم الاحترام والمسؤولية ، المجتمع لا يحميه القانون وحده ، بل وعي يرفض الإساءة ، فالقانون وحده لا يكفي إذا لم يسانده ضمير حي وثقافة ترفض الإساءة وتحتفي بالكلمة الطيبة ، الحكمة تقول : ” إن الكلمة الطيبة ثقافة ، لا نص قانوني فقط ” .
إن الكلمة ليست مجرد صوت عابر ، بل أثر يبقى وقد تكون سبباً في جرح لا يندمل أو في بناء لا ينهار وبين هذين الخيارين يتحدد معدن الإنسان ، فإما أن يكون صانع نور أو ناشر ظلام .
إن المسؤولية لا تقتصر على الرفض الأخلاقي أو الاستنكار الإعلامي ، بل تستوجب موقفاً عملياً وحازماً من الجهات المعنية .
وعليه على المسؤولين الإيزيديين في دهوك وأربيل وكذلك في نينوى وبغداد وكما على سمو الأمير وقداسة البابا شيخ والمجلس الروحاني ، إلى جانب المحامين والقانونيين الإيزيديين ، اتخاذ خطوات جدية وفاعلة تتمثل في رفع دعاوى قضائية ضد كل من يسيء إلى الشعب الإيزيدي أو ديانته أو رموزه المقدسة أو يتطاول على كرامة الإيزيديات .
كما يتوجب العمل على الدفع نحو سن تشريعات ونصوص دستورية وقانونية واضحة تجرم خطاب الكراهية والتحريض وتضمن محاسبة كل من يتجاوز على حقوق الإيزيديين وسائر الأقليات .
إن السكوت عن هذه الانتهاكات لم يعد خياراً ، بل إن مواجهتها قانونياً ومجتمعياً هو السبيل الوحيد لوقف دوامة الإساءة ووضع حد لكل أشكال التحريض الصادرة عن شخصيات سياسية أو دينية أو اجتماعية أو إدارية أو ثقافية أو إعلامية أو حتى من أفراد عاديين ، حفاظاً على كرامة الإنسان وصوناً للسلم المجتمعي .