صلاح بكر – اربيل
يشهد النظام المالي العالمي تحولات متسارعه تعيد تشكيل خارطة القوى الاقتصاديه ، حيث تبرز مجموعة “بريكس” BRICS كقوة صاعده تسعى لكسر الاحادية القطبية التي طالما هيمنت عليها الولايات المتحدة. لم تعد هذه المجموعة مجرد منتدى اقتصادي ناشئ ، بل تحولت إلى تكتل جيوسياسي يمتلك ثقلا استراتيجيا ، خاصة بعد توسعها الأخير لتشمل قوى اقليمية وازنة، مما رفع مساهمتها في الاقتصاد العالمي إلى 44%، متجاوزة بذلك مجموعة السبع.
إن التمدد الاستراتيجي لمجموعة بريكس يمثل تحدياً مباشراً لهيمنة الدولار الأمريكي على التجارة الدولية. فمع انضمام دول تمتلك احتياطيات ضخمة من الطاقة ، باتت المجموعة تسيطر على نحو 50% من انتاج النفط العالمي، مما يعزز قدرتها على فرض تسويات تجارية بالعملات المحلية. وقد بدأت بالفعل دول كالصين وروسيا والبرازيل والهند في تنفيذ هذه الاستراتيجية ، في مسعى حثيث لتجريد الدولار من مكانته كعملة احتياطية عالمية وحيدة ، وهو ما يمهد الطريق لنظام مالي متعدد الاقطاب، وهذا التحول يهدد مباشرة سيطرة الخزانة الأمريكية على الأسواق العالمية ، حيث تفقد القدرة على فرض العقوبات الاقتصادية من خلال التحكم بالعملة الاحتياطية، مما يضعف نفوذها الجيوسياسي بشكل جوهري.
في السياق نفسه يشكل نظام (سويفت)SWIFT للمراسلات المالية، والذي تستخدمه واشنطن كأداة لفرض العقوبات الاقتصادية، هدفا رئيسياً لجهود بريكس BRICS الراميه للاستقلال المالي. وتبرز منصة “mBridge” كبديل واعد ، حيث تتيح تسويات فورية عبر الحدود باستخدام العملات الرقمية للبنوك المركزية ، متجاوزة بذلك البنوك المراسلة والشبكات الخاضعة للرقابة الغربية. هذا التوجه نحو بناء بنية تحتية مالية موازية يقلل من تأثير “نقاط الاختناق” الأمريكية، ويمنح الدول الأعضاء حصانة أكبر ضد العقوبات العابرة للحدود، وبالتالي يحد من قدرة الخزانة الأمريكية على استخدام الضغط الاقتصادي كأداة سياسية.
تأثير مجموعة بريكس BRICS على التجارة العالمية يتجاوز الجوانب المالية البحتة، ليشمل اعادة صياغة جذرية لقواعد اللعبة الاقتصادية. فقد بدأت دول بريكس بتحويل حجم تجاري ضخم نحو التسويات بالعملات المحلية، مما قلل من الطلب على الدولار في المعاملات الدولية. وهذا يعني أن التجارة العالمية لم تعد تدور حول محور أمريكي وحيد ، بل أصبحت متعددة المراكز، حيث تنشأ مسارات تجارية جديدة بين دول الجنوب العالمي بعيداً عن الوسطاء الغربيين التقليديين ، وقد أدى هذا التحول الى ظهور أسواق إقليمية قوية ومستقلة، خاصة في اسيا وافريقيا، مما يعزز من استقلالية هذه المناطق اقتصاديا وسياسيا.
تقود مجموعة بريكس BRICSثورة هادئة ضد النظام المالي التقليدي، مستهدفة تفكيك الهيمنة الأمريكية عبر تقليص الاعتماد على الدولار في المبادلات التجارية وتطوير بدائل تكنولوجية لنظام (سويفت)SWIFT وتمتد هذه الثورة لتشمل تقويض سلطة الخزانة الأمريكية على الأسواق العالمية، حيث تفقد أداتها الأساسية للضغط الاقتصادي والعقوبات. ورغم التحديات الهيكلية التي تواجه التكتل، فان مساعيه الحثيثه لبناء نظام مالي موازي واعادة هيكلة التجارة العالمية تمثل خطوة حاسمة نحو ارساء قواعد نظام دولي جديد ، تتوزع فيه مراكز القوى بشكل اكثر توازناً ، مما يضع مستقبل “العملة الخضراء” أمام اختبار تاريخي غير مسبوق.