د. فيصل صادق توفيق
في النظم الديمقراطية الراسخة، تعد المعارضة جزءاً أساسياً من الحياة السياسية، فهي تراقب الأداء، وتنتقد الأخطاء، وتطرح البدائل، وتسهم في تصحيح المسار. لكن الديمقراطية، في الوقت ذاته، لا تقوم على حق الاعتراض وحده، بل تقوم أيضاً على احترام إرادة الناخبين والاعتراف بشرعية المؤسسات وشرعية الإنجاز. وعندما يتحول الاعتراض من وسيلة للإصلاح إلى غاية بحد ذاته، فإن السياسة تفقد أحد أهم مقاصدها، وهو خدمة المصلحة العامة وتعزيز الاستقرار والتنمية.
ومن هذه الزاوية يمكننا قراءة التجربة السياسية في إقليم كوردستان، بوصفها واحدة من أهم التجارب السياسية التي شهدها العراق الحديث. فهي لم تنشأ نتيجة ظرف عابر أو تسوية مؤقتة، بل جاءت حصيلة عقود طويلة من النضال والتضحيات والكفاح السياسي والقومي الذي خاضته قوى سياسية أصيلة آمنت بحق شعب كوردستان في الحياة الحرة الكريمة، وقدمت في سبيل ذلك آلاف الشهداء والمؤنفلين والبيشمركة.
إن الحديث عن واقع إقليم كوردستان اليوم يجب أن يبدأ من هذه الحقيقة التاريخية. فالأمن والاستقرار والمؤسسات الدستورية والإدارية، والبنية التحتية التي تطورت خلال العقود الماضية، والحضور السياسي الفاعل للإقليم داخل العراق وخارجه، لم تكن منجزات هبطت من السماء، وإنما كانت ثمرة تراكم طويل من التضحيات والعمل السياسي والإداري. وهذا لا يعني أن التجربة بلغت الكمال أو أنها فوق النقد، فليس هناك نظام سياسي معصوم من الأخطاء، كما أن التطوير والإصلاح ضرورة مستمرة لأي تجربة حية. غير أن الفرق كبير بين نقد التجربة بهدف تطويرها، وبين التشكيك المستمر بها أو التقليل من قيمة منجزاتها أو التعامل معها وكأنها لم تحقق شيئاً يستحق البناء عليه.
لقد قال أحد رجال الدولة إن “الشعوب التي تنكر منجزاتها محكوم عليها أن تبدأ من الصفر في كل مرة”. وهذه الحكمة تختصر جانباً مهماً من التحدي الذي تواجهه المجتمعات الناشئة. فالبناء السياسي عملية تراكمية، وما تحقق اليوم يجب أن يكون أساساً لما يتحقق غداً، لا مادة دائمة للهدم والتشكيك.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية التمييز بين المعارضة المسؤولة والمعارضة الرافضة. فالمعارضة المسؤولة تمارس حقها في الرقابة والنقد وتقديم البدائل، لكنها لا تدخل في خصومة مع التجربة ذاتها، ولا تجعل من تعطيل المؤسسات أو التشكيك الدائم في شرعيتها وسيلة للعمل السياسي. أما المعارضة الرافضة، فإنها تنظر إلى كل نجاح باعتباره نجاحاً للخصم لا للوطن، وإلى كل إنجاز باعتباره خسارة سياسية لها، فتتحول من شريك في بناء المستقبل إلى طرف يعيش أسيراً لصراعات الحاضر.
إن احترام نتائج الانتخابات يمثل أحد أهم معايير النضج الديمقراطي. فحين يمنح المواطنون ثقتهم لقوة سياسية معينة، فإن ذلك لا يعني إلغاء الآخرين أو مصادرة حقهم في المعارضة، لكنه يعني في الوقت ذاته الاعتراف بحق الأغلبية في إدارة المرحلة وفقاً للقواعد الدستورية والقانونية. أما تحويل كل استحقاق انتخابي إلى مناسبة للتشكيك أو الإنكار أو الرفض، فإنه يضعف الثقة بالعملية الديمقراطية ذاتها، ويجعل الصراع السياسي مفتوحاً بلا نهاية.
وقد أثبتت تجارب عديدة في العالم أن المجتمعات التي نجحت في الانتقال من مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة، ومن مرحلة النضال إلى مرحلة المؤسسات، هي تلك التي استطاعت أن تجعل التنافس السياسي وسيلة للتطوير لا وسيلة للهدم. ففي ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، وفي إسبانيا بعد مرحلة التحول الديمقراطي، لم يكن النجاح نتيجة غياب المعارضة، بل نتيجة اتفاق الجميع على حماية التجربة الوطنية وعدم تحويل الخلافات السياسية إلى معارك تهدد أسس الدولة ومنجزاتها.
وفي إقليم كوردستان تكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة، لأن القضية لا تتعلق فقط بإدارة سلطة أو تشكيل حكومة، بل تتعلق بحماية تجربة سياسية ودستورية تمثل ثمرة عقود من النضال. كما تتعلق بالانتقال نحو مرحلة جديدة يكون فيها الإقليم أكثر قدرة على تحقيق استقلاله الاقتصادي وتعزيز مكانته السياسية والدستورية داخل العراق الاتحادي، بما يضمن احترام خصوصيته القومية والإقليمية ويعزز في الوقت نفسه استقرار الدولة العراقية ووحدتها الدستورية. ومن هنا فإن المسؤولية لا تقع على عاتق القوى الحاكمة وحدها، بل تقع أيضاً على عاتق القوى المعارضة والنخب السياسية والإعلامية والثقافية. فالجميع شركاء في حماية المنجزات الوطنية، والجميع مسؤولون عن منع الخلافات السياسية من التحول إلى عوامل إضعاف للتجربة برمتها.
وإذا كان إقليم كوردستان يمثل نموذجاً لتجربة استطاعت أن تنتقل من ساحات القتال إلى بناء المؤسسات، فإن العراق ما زال يقدم مثالاً واضحاً على الكلفة الباهظة لغياب ثقافة الشراكة. فالكثير من أزمات العراق لم تكن نتيجة نقص الإمكانات أو الموارد، بل نتيجة استمرار بعض القوى في النظر إلى السياسة باعتبارها صراعاً صفرياً، حيث لا مكان للشراكة ولا اعتراف بحق الآخر في المشاركة والنجاح. وعندما تغيب ثقافة الشراكة، يضعف الانتماء للمشروع الوطني المشترك، وتزداد الانقسامات، وتجد القوى الخارجية فرصاً أوسع للتأثير والتدخل. لذلك فإن الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من التجارب الناجحة والفاشلة على حد سواء هو أن بناء الأوطان لا يتحقق بالغلبة الدائمة، كما لا يتحقق بالاعتراض الدائم، وإنما يتحقق بالتوازن بين حق النقد وواجب المسؤولية، وبين حق المعارضة وواجب حماية المنجز الوطني.
إن المستقبل لا تصنعه القوى التي ترفض كل شيء، كما لا تصنعه القوى التي ترفض الإصلاح. المستقبل تصنعه الإرادة القادرة على الجمع بين المحافظة على ما تحقق، والعمل الجاد لتطويره. ومن هنا فإن التحدي الحقيقي أمام إقليم كوردستان، كما أمام العراق كله، لا يكمن في وجود الاختلافات السياسية، بل في القدرة على إدارة هذه الاختلافات ضمن إطار من الشراكة الوطنية واحترام إرادة المواطنين والإيمان بأن الإنجازات الوطنية ملك للجميع، وأن الحفاظ عليها مسؤولية الجميع. فالأمم لا تتقدم عندما تختلف، بل تتقدم عندما تعرف كيف تدير اختلافها. ولا تنجح عندما تنتصر قوة سياسية على أخرى، بل عندما ينتصر المشروع الوطني على الانقسامات والصراعات العابرة.