الإعلام بين عِفّة التحليل ودَنَاءة التطبيل

سعد الهموندي

يواجه الوعي الجمعي في العراق معركة كسر عظم تقاد خلف شاشات التلفزة ، حيث تحول الفضاء العام إلى صراع محتدم بين فئتين: محللون حقيقيون يحملون همّ الوطن، ومطبلون يؤجرون الحناجر لمن يدفع أكثر .
أصول التحليل سياسياً واقتصادياً ليست مهارة خطابية ترتجل ، بل هي علم صارم وبنية معرفية معقدة ، المحلل الحقيقي “قارئ حفر وتفكيك”، لا يكتفي بملامسة السطح ، بل يفكك الأزمات، ويتقصى الخلفيات ، إنه متابع شرس للتفاصيل يملك عقلاً استراتيجياً قادراً على صياغة “التحليل المستقبلي” وبناء السيناريوهات بناءً على مقدمات علمية لا رغبات عاطفية والأهم أنه يملك الشجاعة للدفاع عن رأيه المستقل حتى لو سبح ضد تيار السلطة، منطلقاً من بوصلة وطنية ثابتة لا تميل مع موازين القوى .
وعلى الضفة النقيضة، يقف “المطبلون” كظاهرة صوتية بائسة تشوه الإعلام ، هؤلاء الأدوات لا يقرأون كتاباً ولا يراعون حرمة للمتلقي، تبدأ دورتهم “المعرفية” قبل دقائق من البث المباشر؛ حيث يتلقفون خلف الكواليس بضع جمل يمليها سياسي مأزوم، أو يسرقون آراءً سطحية من “الفيسبوك” ليبنوا عليها صروحاً من الدجل والتهريج في البرامج الحوارية،
يمارس هؤلاء المأجورون أساليب خبيثة لتزييف الوعي؛ فتارة يرتدون قناع “مستشار الصُّدفة” والخبير المستقل لتمرير رسائل الحزب وتارة يلجأون إلى “الشحن الطائفي والقومي” واختراع مؤامرات وهمية لشغل الشارع عن الأزمات الخدمية والاقتصادية. وإذا حوصروا بالحقائق، اعتمدوا تكتيك “إغراق الحوار بالصراخ” لتحويل الاستوديو إلى حلبة مصارعة لفظية تُضيع جوهر القضية وتجهل المشاهد.المطبل في العراق كائن حربائي بامتياز، تتبدل مواقفه بتبدل تمويل القناة ، تراه اليوم يدافع بقداسة عمياء عن قرار أو شخص، ويهجو معارضيه ، ثم يمر أسبوع واحد تتغير فيه المصالح ليخرج من الشاشة ذاتها يكيل المديح لمن هاجمه بالأمس، وينقض كل تنبؤاته السابقة دون أدنى حياء أو احترام لذكاء الجمهور ،هذا الهبوط ليس سقطة مهنية، بل هو تواطؤ متعمد في تجهيل الشعب وتمرير الصفقات المشبوهة، بينما يئن الوطن تحت وطأة أزمات مركبة تحتاج مباضع الجراحين من المحللين الشرفاء، لا طبول المداحين. إن الموقف الوطني يتطلب ثورة وعي عارمة لمقاطعة هذه الأبواق، ومحاصرتها بالعزل الفكري، وإعادة الاعتبار للمثقف العراقي الرصين الذي يرى في الإعلام رسالة لبناء الدولة، لا دكاناً للاسترزاق .

قد يعجبك ايضا