ماهين شيخاني
(من صفقة الجزائر 1975 إلى دمج “قسد” 2026: قراءة في سياسة أمريكية متكررة تجاه الكورد)
مقدمة: سياسة الاستخدام المؤقت للكورد
على مر العقود، شكلت الولايات المتحدة وسياساتها تجاه الكورد نموذجاً للكثير من الباحثين في العلاقات الدولية حول استخدام القوى الإقليمية كأدوات مؤقتة لتحقيق مصالح استراتيجية. عام 1975، تخلى وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر عن الكورد الذين شجعهم على التمرد ضد بغداد لدوافع تتعلق بالمواجهة مع النفوذ السوفييتي، فيما ظهر اليوم السيناريو ذاته بوجه حديث عبر المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم براك، في تعامله مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).
هذا المقال يسعى إلى مقارنة هذين الحدثين، واستنباط الدروس التي تقدمها السياسة الأمريكية المتكررة تجاه الكورد، دون الانزلاق إلى لغة اتهامية عاطفية.
أولاً: كيسنجر – صفقة الجزائر ومحدودية الوفاء السياسي
في أوائل السبعينيات، اعتقد الزعيم الكردي الراحل الملا مصطفى البارزاني أن الدعم الأمريكي سيكون ثابتاً. حصل الكورد على مساعدات عسكرية كبيرة، استخدمت في الانتفاضة ضد بغداد، لكن مصالح واشنطن لم تكن تحرير الكورد بقدر ما كانت استنزاف النظام العراقي.
مع توقيع شاه إيران وصدام حسين اتفاقية الجزائر عام 1975، تغيرت الأولويات الأمريكية، وتوقفت المساعدات فجأة. عانى الكورد من الانكسار العسكري، ما أظهر الطبيعة البراغماتية المفرطة في السياسة الأمريكية: المصلحة أولاً، حتى لو كانت على حساب طموحات حليف محلي.
تعليق كيسنجر في جلسة استماع أمام الكونغرس: “العمل السري ليس عملاً تبشيرياً” يلخص هذه العقلية، إذ أن استخدام الكورد كان أداة لتحقيق أهداف استراتيجية محدودة زمنياً.
ثانياً: توم براك – استكمال السيناريو المعاصر في سوريا
بعد نصف قرن، عاد المشهد ذاته بصورة معاصرة. توم براك، المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، أعلن في 2025 أن “الفيدرالية ليست حلاً مناسباً”، داعياً إلى حكومة مركزية أقوى، ومؤكداً أن دور “قسد” قد “انتهى إلى حد كبير”.
في 2026، بدأ براك قيادة مفاوضات دمج كامل لـ “قسد” ضمن القوات النظامية السورية، مع إبقاء حقوق الكورد محدودة على المستوى المدني والثقافي، دون مشروع إداري أو سياسي مستقل.
السيناريو يتكرر: استخدام الكورد كقوة ميدانية مؤثرة ثم الضغط على قيادتهم للتنازل عن طموحات سياسية بعد تحقيق الهدف الاستراتيجي الأمريكي.
ثالثاً: كيسنجر وبراك – ملامح السياسة الأمريكية المتكررة
يمكن تلخيص النهج الأمريكي في التعامل مع الكورد عبر ثلاث نقاط رئيسية:
الاستخدام العسكري المؤقت (Proxy)
كيسنجر: شجع الكورد على الانتفاض ضد بغداد لإضعاف النظام العراقي واستنزاف النفوذ السوفييتي.
براك: اعتمد على “قسد” كقوة رئيسية لهزيمة تنظيم “داعش” في سوريا.
البراغماتية المتطرفة (Realpolitik)
كيسنجر: سحب الدعم فجأة بعد توقيع اتفاق الجزائر، متجاهلاً الطموحات السياسية للكورد.
براك: بعد الانتصار على داعش، أشار إلى أن دور “قسد” انتهى، مؤكداً أن مصالح الولايات المتحدة مع تركيا وحلفائها تتفوق على أي التزام طويل الأمد تجاه الكورد.
الضغط على الطموحات السياسية للكورد
كيسنجر: ترك الكورد دون مشروع سياسي واضح بعد انتهاء الاحتياجات العسكرية.
براك: يسعى لدمج “قسد” في مؤسسات الدولة، مع الحفاظ على حقوق مدنية وثقافية محدودة، مقابل التخلي عن أي مشروع إداري مستقل.
رابعاً: السياق الأمريكي والجيوسياسي
من المهم أن نفهم أن هذه السياسات لا تحدث في فراغ، بل ضمن شبكة مصالح معقدة تشمل:
تركيا: حليف استراتيجي في الناتو، وتمثل حماية حدودها أولوية أمريكية.
سوريا: الحفاظ على الدولة المركزية في دمشق لتجنب تفكك إضافي.
النفوذ الإقليمي: موازنة القوى في العراق وسوريا وتركيا وإيران لتحقيق الاستقرار وفق مصالح الولايات المتحدة.
الفهم السياقي لا يبرر السياسات، لكنه يوضح سبب تكرار أنماط معينة من “الاعتماد المؤقت والتخلي اللاحق”.
خاتمة: دروس عملية للكورد
السياسة الأمريكية تجاه الكورد تعلم أن:
لا يمكن الاعتماد على الدعم الخارجي الدائم: التحالفات الدولية غالباً مشروطة بالمصلحة الاستراتيجية المؤقتة.
القوة الذاتية ضرورية: حماية الحقوق والمكتسبات تتطلب تنظيم داخلي، مشروع سياسي واضح، وقدرة دفاعية مستقلة.
الحفاظ على المؤسسات الكردية: إدارات محلية، مؤسسات أمنية، ومجالس سياسية مستقلة توفر وسيلة لرد الفعل السريع والحفاظ على المكتسبات.
الاستفادة من التاريخ دون الانغماس في العاطفة: فهم التجارب السابقة يمكن أن يوجه السياسات المستقبلية بوعي وواقعية.
باختصار، كيسنجر وبراك يمثلان وجهين لسياسة أمريكية متسقة في طريقة التعامل مع الكورد: دعم مؤقت حسب الحاجة، ثم التراجع عند انتهاء الهدف الاستراتيجي. إدراك هذا النمط يسمح للكورد ببناء استراتيجياتهم على أساس واقعي، بدل انتظار دعم خارجي قد لا يأتي.