حين يتحدث القادة بلغة الوطن لا بلغة المكاسب مبادرة الرئيس مسعود بارزاني ورسالة المسؤولية في زمن الانسداد السياسي
أحمد زبير باني
في لحظات الأزمات السياسية، تكثر الخطابات وتتعالى الأصوات، لكن القليل منها يمتلك القدرة على تجاوز اللحظة الآنية ليصبح نداءً وطنياً موجهاً إلى الضمير الجمعي للشعوب والقوى السياسية على حد سواء. ومن هذا المنطلق يمكن قراءة رسالة الرئيس مسعود بارزاني بمناسبة عيد الأضحى المبارك، التي حملت في مضمونها ما هو أبعد من التهنئة وأعمق من الموقف السياسي التقليدي.
فالرسالة جاءت في وقت يمر فيه إقليم كوردستان بمرحلة حساسة تتشابك فيها التحديات السياسية والاقتصادية والإقليمية، الأمر الذي يجعل من أي دعوة إلى التوافق والحوار مسؤولية وطنية قبل أن تكون مبادرة سياسية. وفي هذا السياق اختار الرئيس بارزاني أن يوجه خطابه إلى جميع القوى السياسية، واضعاً أمامها حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أن استمرار الخلافات والانقسامات لا يخدم سوى تعقيد المشهد السياسي وإضعاف قدرة المؤسسات على مواجهة التحديات المتزايدة.
ما يميز هذه المبادرة أنها لم تنطلق من موقع المنافسة السياسية، بل من موقع المسؤولية التاريخية. فالرئيس بارزاني لم يدعُ إلى اصطفاف جديد، ولم يطرح مشروعاً حزبياً أو مكسباً سياسياً لفئة معينة، وإنما دعا إلى إعادة ترتيب الأولويات ووضع مصلحة شعب كوردستان فوق كل اعتبار. وهي رسالة تعكس رؤية سياسية ناضجة تؤمن بأن الأوطان لا تُبنى بالصراعات المستمرة، بل بالشراكات الوطنية التي تستوعب الاختلاف وتحوله إلى عنصر قوة بدلاً من أن يكون سبباً للانقسام.
لقد أثبتت التجارب السياسية في مختلف أنحاء العالم أن المجتمعات التي تنجح في تجاوز أزماتها ليست تلك التي تخلو من الخلافات، بل تلك التي تمتلك قيادات قادرة على إدارة الخلافات ضمن إطار المصلحة العامة. ومن هنا تأتي أهمية دعوة الرئيس بارزاني، لأنها تذكر الجميع بأن السياسة ليست ساحة لتصفية الحسابات، بل وسيلة لخدمة المواطنين وحماية مستقبلهم.
وعندما يدعو الرئيس بارزاني القوى السياسية إلى الاجتماع بعد عيد الأضحى بروح وطنية مخلصة، فإنه في الحقيقة يطرح نموذجاً سياسياً قائماً على الحوار والتفاهم بدلاً من القطيعة والتوتر. وهو يدرك بحكم تجربته الطويلة أن الأزمات السياسية مهما تعقدت تبقى قابلة للحل عندما تتوفر الإرادة الصادقة والرغبة الحقيقية في الوصول إلى نقاط مشتركة.
لقد ارتبط اسم مسعود بارزاني خلال العقود الماضية بمحطات مفصلية في تاريخ كوردستان المعاصر. فمن ساحات النضال الوطني إلى مراحل بناء المؤسسات وترسيخ التجربة الديمقراطية، ظل حاضراً في أكثر اللحظات حساسية وتأثيراً. ولذلك فإن دعوته اليوم تحمل وزناً سياسياً ومعنوياً خاصاً، لأنها تصدر عن شخصية عايشت التحديات الكبرى وتدرك حجم المخاطر التي قد تنجم عن استمرار الانسداد السياسي.
وفي قراءة أعمق للرسالة، يمكن ملاحظة أنها لا تخاطب الأحزاب وحدها، بل تخاطب أيضاً الثقافة السياسية السائدة. فهي دعوة إلى الانتقال من منطق المكاسب الضيقة إلى منطق الشراكة الوطنية، ومن حسابات اللحظة إلى التفكير بمستقبل الأجيال القادمة. كما أنها تؤكد أن الشرعية الحقيقية لأي عمل سياسي لا تُقاس بحجم النفوذ أو عدد المقاعد، وإنما بمدى قدرته على تلبية تطلعات المواطنين وتحقيق الاستقرار والتنمية.
ولعل اختيار مناسبة عيد الأضحى المبارك لإطلاق هذه الرسالة لم يكن أمراً عابراً. فالعيد يحمل في معانيه قيم التضحية والتسامح والتقارب، وهي القيم ذاتها التي تحتاجها الحياة السياسية في هذه المرحلة. وكأن الرئيس بارزاني أراد أن يبعث برسالة مفادها أن تجاوز الأزمات لا يبدأ من البيانات والاتفاقات فحسب، بل يبدأ من الإرادة الصادقة في تغليب المصلحة العامة على المصالح الخاصة.
إن المبادرات السياسية الكبرى لا تُقاس بحجم الضجيج الذي تثيره، بل بقدرتها على فتح نوافذ الأمل وإعادة توجيه البوصلة نحو القضايا الأساسية. ورسالة الرئيس مسعود بارزاني جاءت لتؤكد أن كوردستان بحاجة اليوم إلى خطاب يوحد ولا يفرق، وإلى شراكة تبني ولا تهدم، وإلى مسؤولية ترتقي فوق الحسابات الحزبية الضيقة.
لقد قال الرئيس بارزاني كلمته في لحظة تحتاج إلى الحكمة أكثر من أي وقت مضى، ووضع الجميع أمام مسؤولية وطنية لا تحتمل التأجيل أو المساومة. فالأزمات التي تواجه كوردستان اليوم أكبر من أن تُختزل في خلاف سياسي أو تنافس حزبي، ومستقبل الإقليم أهم من أي حسابات آنية أو مكاسب مؤقتة.
وعندما يكتب التاريخ فصول هذه المرحلة، فلن يتوقف كثيراً عند تفاصيل الخلافات أو حدة المواقف، بل سيتذكر من جعل مصلحة كوردستان فوق كل اعتبار، ومن امتلك الشجاعة للانتقال من منطق الخصومة إلى منطق الشراكة. وهنا تكمن القيمة الحقيقية لمبادرة الرئيس مسعود بارزاني؛ فهي تذكير بأن الأوطان لا تُحفظ بالمواقف المتصلبة، ولا تُبنى بالمكاسب العابرة، بل بالإرادة الوطنية الجامعة التي تجعل من مصلحة الشعب البوصلة الوحيدة في كل موقف وقرار، وتضع الوطن فوق الخلافات، والمستقبل فوق الحسابات الضيقة .