حين يلتقي تعقيد العالم بازدواجية المجتمع: قراءة في التجربتين الفكريتين لعلي الوردي وإدغار موران ..

نوري جاسم

في تاريخ الفكر الإنساني تبرز أسماء استطاعت أن تنظر إلى الواقع من زوايا غير مألوفة، وأن تكسر القوالب الجاهزة التي اعتاد الناس تفسير العالم من خلالها. ومن بين هذه الأسماء يبرز عالم الاجتماع العراقي علي الوردي ( 1913 _ 1995 ) والفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران ( 1921 _ 2026 ) اللذان انطلق كل منهما من بيئة مختلفة وتجربة مغايرة، لكنهما التقيا عند نقطة جوهرية تتمثل في الإيمان بأن الإنسان والمجتمع أكثر تعقيدًا من أن يُختزلا في تفسير واحد أو رؤية أحادية. لقد عاش علي الوردي في بيئة عراقية غنية بالتناقضات الاجتماعية والثقافية، فوجد نفسه أمام مجتمع يتأرجح بين قيم البداوة والحضارة، وبين المثال والواقع، وبين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن بالفعل. ومن هنا انطلق في مشروعه الفكري محاولًا فهم الشخصية العراقية وتحليل البنى الاجتماعية التي تشكلها، بعيدًا عن الأحكام المسبقة والخطابات المثالية. فكان يرى أن الإنسان لا يتحرك دائمًا وفق المبادئ التي يعلنها، بل تحكمه أيضًا المصالح والظروف والتراكمات التاريخية والنفسية. وأما إدغار موران فقد انطلق من أفق أوسع، حيث لم ينشغل بمجتمع معين بقدر ما انشغل بالسؤال المعرفي الكبير: كيف نفهم العالم؟ وكيف يمكن للعقل الإنساني أن يستوعب هذا الكم الهائل من التعقيدات والتشابكات؟ فصاغ مشروعه الشهير “الفكر المركب”، داعيًا إلى تجاوز النظرات الاختزالية التي تفصل بين العلوم والمعارف، وإلى بناء رؤية شاملة ترى العلاقات بين الأشياء بدل الاكتفاء بدراسة أجزائها المعزولة. وإذا كان الوردي قد اكتشف ازدواجية المجتمع، فإن موران اكتشف تعقيد المعرفة. وإذا كان الأول قد حاول تفسير التناقضات التي تسكن الإنسان العراقي، فإن الثاني سعى إلى تفسير التناقضات التي تسكن الإنسان المعاصر والعالم بأسره.

كلاهما رفض الأحكام المطلقة، وكلاهما دعا إلى فهم الإنسان كما هو لا كما نريده أن يكون. فالوردي كان يحذر من المثالية المفرطة التي تتجاهل الواقع الاجتماعي، بينما كان موران يحذر من التفكير التبسيطي الذي يتجاهل ترابط الظواهر وتشابكها. ولهذا فإن القارئ لأعمالهما يشعر بأنهما يلتقيان في الدعوة إلى التواضع الفكري، وإلى الاعتراف بأن الحقيقة أوسع من أن يحتكرها فرد أو مدرسة أو أيديولوجيا. وتكمن عظمة التجربتين في أنهما لم تكتفيا بالنقد، بل قدمتا أدوات للفهم. فالوردي منح الباحثين مفاتيح لقراءة المجتمع العراقي والعربي قراءة واقعية، بينما منح موران الباحثين منهجًا يساعدهم على فهم العالم بوصفه شبكة من العلاقات المتداخلة التي لا يمكن فصل عناصرها بعضها عن بعض. ولقد كان علي الوردي ابنًا لأسئلة العراق، وكان إدغار موران ابنًا لأسئلة الإنسانية الكبرى. ومع ذلك فإن كليهما ترك إرثًا فكريًا يتجاوز حدود المكان والزمان. فالوردي لا يزال حاضرًا في كل نقاش حول المجتمع العربي وتحولاته، وموران لا يزال حاضرًا في كل محاولة لفهم تعقيدات العالم المعاصر. وإن المقارنة بينهما ليست مقارنة بين مفكرين فحسب، بل هي مقارنة بين مشروعين كبيرين سَعَيَا إلى تحرير العقل من أسر التبسيط. الأول كشف تعقيد المجتمع، والثاني كشف تعقيد المعرفة. الأول أنصت إلى نبض الشارع وتحولات التاريخ، والثاني أنصت إلى حركة الفكر وتشابكات الكون. ومن خلال هذا اللقاء الرمزي بين بغداد وباريس، وبين علم الاجتماع والفلسفة، ندرك أن المعرفة الحقيقية تبدأ حين نعترف بأن العالم أكثر عمقًا واتساعًا وتعقيدًا مما نظن. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..

قد يعجبك ايضا