الحكم الرشيد في الكابينة التاسعة

صلاح بكر – اربيل

تمثل الكابينة الحكومية التاسعة في اقليم كوردستان ، برئاسة السيد مسرور بارزاني ، نقطة تحول استراتيجية في مسيرة الإقليم نحو ترسيخ مبادئ الحكم الرشيد وتحقيق التنمية المستدامة ، فمنذ توليها مهامها في عام 2019 واجهت هذه الحكومة تحديات جسيمة ، بدءاً من الأزمات الاقتصادية الخانقة ، مرورا بجائحة كورونا العالمية، وصولا الى التعقيدات الجيوسياسية الإقليمية والتوترات المستمرة مع الحكومة الاتحادية في بغداد. ومع ذلك ، استطاعت الكابينة التاسعة أن تحول هذه التحديات الى فرص حقيقية للبناء والإعمار ، من خلال تبني برنامج حكومي شامل وناضج يضع المواطن الكوردستاني في صميم أولوياته.

أسس الحكم الرشيد والاصلاحات الهيكلية

لقد ادركت الكابينه التاسعة أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق دون ارساء قواعد متينة للحكم الرشيد والشفافية. وفي هذا السياق ، قادت الحكومة حملة اصلاحات هيكلية واسعة النطاق شملت مختلف القطاعات الحيوية ، من أبرز هذه الإصلاحات التوجه نحو أتمتة ورقمنة المؤسسات الحكومية لتقليل البيروقراطية ومكافحة الفساد ، وقد تجلى ذلك بوضوح في إطلاق مبادرات مبتكرة مثل نظام “هەژماری من” (حسابي) الذي يهدف إلى توطين رواتب الموظفين وتقديم خدمات مالية حديثة تسهم في تعزيز الشمول المالي وتسهيل المعاملات المصرفية للمواطنين. كما أسهمت هذه الخطوة في ضبط النفقات الحكومية وزيادة الشفافية في الإدارة المالية.

علاوة على ذلك ، عملت الحكومة على تطبيق نظام اللامركزية الإدارية من خلال تحويل أقضية مثل زاخو وسوران إلى إدارات مستقلة ، مما أسهم في تقريب الخدمات من المواطنين وتقليل العبء الإداري على الحكومة ، كما تم تحديث العديد من مراكز الأقضية والنواحي ، في خطوة تعكس التزام الحكومة بتوزيع عادل لمكتسبات التنمية على جميع مناطق الإقليم.

السدود والمياه: من الندرة إلى الوفرة

تشكل قضية المياه احد اهم التحديات الاستراتيجية التي واجهتها كوردستان في السنوات الأخيرة ، فقد عانى الاقليم من شح المياه الجوفية بسبب التغيرات المناخية والجفاف المتكرر، مما أثر بشكل مباشر على القطاع الزراعي وأمن الغذاء ، كما كان الاعتماد الكبير على الآبار الارتوازية يؤدي إلى استنزاف المخزون المائي بشكل غير مستدام ، مما يهدد الموارد المائية للأجيال القادمة.

وفي مواجهة هذا التحدي الخطير ، اتخذت الكابينة التاسعة قرارا استراتيجيا جريئا بإطلاق مشروع ضخم لبناء السدود والخزانات المائية. فقد تم انجاز بناء 9 سدود حديثة بتكلفة 265 مليار دينار عراقي ، بطاقة تخزينية تصل إلى 250 مليون متر مكعب من المياه. بالإضافة إلى ذلك ، تم إنشاء 8 برك مائية متخصصة لخزن المياه واستخدامها في الأغراض الزراعية. هذه المشاريع الضخمة لم تكن مجرد أرقام على الورق ، بل كانت ترجمة عملية لرؤية حكوميه تضع الأمن المائي والغذائي في قلب استراتيجيتها التنموية.

تتعدد فوائد هذه السدود لإقليم كوردستان على مستويات عديدة.
أولاً ، توفر هذه السدود احتياطياً استراتيجياً من المياه العذبة يضمن استمرار الإمدادات المائية للمدن والقرى طوال السنة ، خاصة خلال فترات الجفاف الشديد.
ثانياً ، تسهم هذه المشاريع بشكل كبير في الحد من استنزاف المياه الجوفية ، مما يحافظ على المخزون الاستراتيجي للأجيال القادمة ويضمن استدامة الموارد المائية.
ثالثاً ، توفر السدود المياه اللازمة لري المحاصيل الزراعية بكفاءة عالية ، مما يعزز الأمن الغذائي للإقليم ويقلل الاعتماد على الواردات الغذائية من الخارج.
رابعاً ، تساهم هذه المشاريع في توليد الطاقة الكهرومائية النظيفة والمستدامة ، مما يدعم جهود الحكومة في تنويع مصادر الطاقة والتحول نحو الطاقة المتجددة.
خامساً ، تعمل السدود على تنظيم تدفق المياه ومنع الفيضانات الموسمية، مما يحمي السكان والبنية التحتية من الأضرار المحتملة.

بالإضافة إلى ذلك ، أطلقت الحكومة مشروع ماء اربيل الاستراتيجي ، الذي يهدف الى توفير مياه الشرب النظيفة والآمنة لسكان المدينة ، مع التركيز على إيقاف استنزاف المياه الجوفية والحد من استخدام الآبار الارتوازية. هذا المشروع يعكس رؤية ثاقبة في إدارة الموارد المائية وحمايتها للأجيال القادمة.

ثورة البنية التحتية والمشاريع الاستراتيجية

لم تقتصر إنجازات الكابينة التاسعة على الإصلاحات الإدارية ، بل امتدت لتشمل نهضة غير مسبوقة في مجال البنية التحتية. فقد أدركت الحكومة أن شبكة الطرق الحديثة هي شريان الحياة للاقتصاد ، ولذا نفذت 810 مشاريع للطرق والجسور، بتكلفة تجاوزت مئات المليارات من الدنانير ، لربط المدن والقرى وتسهيل حركة التجارة والتنقل.

وفي قطاع الطاقة والمياه ، حققت الحكومة قفزات نوعية. فقد تم إطلاق مشروع “روناكي” الاستراتيجي ، الذي يهدف إلى تحويل قطاع الطاقة بالابتعاد عن الاعتماد على المولدات الأهلية الملوثة للبيئة ، نحو شبكة كهرباء وطنية مستدامة تعمل على مدار الساعة.
هذا المشروع لا يعزز كفاءة منظومة الطاقة فحسب ، بل يسهم أيضاً في تحسين جودة الهواء وحماية الصحة العامة. كما تم بناء 7 محطات كهرباء جديدة مع إضافة 1340 ميجاوات لشبكة الكهرباء، ليصل الإنتاج الحالي إلى 3817 ميجاوات يوميا.

التنويع الاقتصادي: الزراعة ، الصناعة ، والسياحة

انطلاقاً من إدراكها لمخاطر الاعتماد الأحادي على النفط ، تبنت الكابينة التاسعة استراتيجية طموحة لتنويع مصادر الدخل القومي ، مع التركيز على قطاعات الزراعة، الصناعة ، والسياحة. في القطاع الزراعي ، ارتفع حجم الاستثمار بشكل ملحوظ من 1.8% إلى 8% وتم بناء 4 صوامع حديثة لتخزين الحبوب ، وإنشاء آلاف البيوت الزجاجية والمخازن المبردة ، مما عزز الأمن الغذائي للإقليم ودعم الفلاحين المحليين.

أما في القطاع الصناعي ، فقد شهد الإقليم تأسيس مئات المصانع الجديدة التي تعتمد على المنتجات الزراعية المحلية كمواد خام ، مما خلق دورة اقتصادية متكاملة. وفي قطاع السياحة، نجحت الحكومة في جذب استثمارات ضخمة ، حيث تم تنفيذ عشرات المشاريع السياحية التي حولت كوردستان إلى وجهة سياحية مفضلة على مستوى المنطقة ، مستفيدة من الطبيعة الخلابة والأمن والاستقرار الذي ينعم به الإقليم.

تعزيز الأمن والاندماج الاقتصادي

يعد الامن والآمان الركيزة الأساسية التي بنيت عليها كل هذه الإنجازات ، فقد حرصت الكابينة التاسعة على توفير بيئة آمنة ومستقره للمواطنين والمستثمرين على حد سواء ، مما جعل إقليم كوردستان واحة للسلام في منطقة مضطربة ، كما خطت الحكومة خطوة استراتيجية هامة بدخول إقليم كوردستان في نظام “أسيكودا” العالمي للجمارك ، وهو نظام إلكتروني متطور يسهم في تسهيل التجارة الدولية ، مكافحة التهريب ، وزيادة الإيرادات الجمركية بشفافية عالية ، مما يعزز اندماج اقتصاد الإقليم في الاقتصاد العالمي.

يمكن القول ان الكابينة الحكومية التاسعة برئاسة السيد مسرور بارزاني قد ارست دعائم نموذج فريد للحكم الرشيد في إقليم كوردستان. فمن خلال رؤية استراتيجية واضحة ، وإرادة سياسية صلبة ، تمكنت الحكومة من تحقيق تنمية مستدامة شاملة مست مختلف جوانب حياة المواطن ، إن هذه الإنجازات التي تحققت رغم التحديات العاتية تؤكد أن إقليم كوردستان يسير بخطى ثابتة نحو مستقبل أكثر إشراقا وازدهاراً ليظل منارة للتقدم والاستقرار في الشرق الأوسط.

قد يعجبك ايضا