عرفان الداوودي
حين قال الرئيس مسعود بارزاني: “الشماتة ليست من شيم الرجال”، لم تكن مجرد عبارة عابرة، بل كانت رسالة أخلاقية وإنسانية تعبر عن أصالة القيم التي تربى عليها أصحاب المروءة والشهامة.
فالرجال الحقيقيون لا يفرحون بمصائب الآخرين، ولا يبنون مجدهم على آلام الناس، ولا يستغلون لحظات الضعف للتشفي والانتقام. بل إن معدن الإنسان الأصيل يظهر عندما يتعامل مع خصومه ومخالفيه بأخلاق عالية واحترام للكرامة الإنسانية.
لقد علمتنا الأديان السماوية أن الشماتة خلق مذموم، لأن الأيام دول، والأحوال تتبدل، وما يصيب غيرك اليوم قد يصيبك غداً. لذلك دعا الدين الإسلامي إلى الرحمة والتسامح والتعاطف بين الناس، ونهى عن السخرية والاستهزاء والفرح بمصائب الآخرين.
ففي مجتمع تسوده الأخلاق، يكون الفرح لنجاح الآخرين حافزاً، والحزن لمصائبهم موقفاً إنسانياً، أما الشماتة فهي تعبير عن ضيق الأفق وضعف القيم وغياب الرحمة من القلوب.
إن الشجاعة الحقيقية ليست في إهانة الخصم عندما يضعف، بل في التحلي بالأخلاق عند القدرة، والعفو عند المقدرة، والإنصاف حتى مع من نختلف معهم. وهذه هي صفات الرجال الكبار الذين يتركون أثراً طيباً في نفوس الناس.
وفي حياتنا اليومية نرى كثيرين يملؤون وسائل التواصل الاجتماعي بالتهكم والسخرية والشماتة عند وقوع أي أزمة أو مشكلة أو خسارة تصيب الآخرين، متناسين أن الأخلاق لا تتجزأ، وأن الاحترام واجب حتى في أوقات الخلاف والخصومة.
إن المجتمعات القوية لا تُبنى بالكراهية والتشفي، بل تُبنى بالتسامح والتراحم والتكاتف. وعندما ترتفع الأخلاق ترتفع معها قيمة الإنسان، أما عندما تسقط الأخلاق فلا قيمة لأي منصب أو مال أو نفوذ.
لذلك تبقى هذه المقولة درساً بليغاً في القيم والمبادئ:
الشماتة ليست قوة، بل ضعف. وليست رجولة، بل نقص في المروءة. أما الرجال أصحاب الشهامة فإنهم يحفظون كرامتهم بأخلاقهم، ويحفظون مكانتهم باحترامهم للآخرين، ويثبتون عظمتهم في مواقف الرحمة والتسامح والإنسانية.
فما أجمل أن نختلف باحترام، وأن ننتصر بتواضع، وأن نواسي عند المصيبة، لأن الشماتة ليست من شيم الرجال، بل الشهامة والرحمة وحسن الخلق هي التي تبقى وتخلد في ذاكرة الناس ان الرجال يُعرفون عند الشدائد، وأصحاب المروءة يُعرفون عند الخصومات، فمن سامح ارتفع، ومن ترحم كبر في أعين الناس، ومن شمت بغيره سقط من نظر الناس قبل أن يسقط من نظر نفسه.