د. صالح الرزوق
يبدأ عبداللطيف أطيمش ذكرياته مع السياب من أمسية شعرية جمعت الاثنين عام 1957 في دار المعلمين العالية في بغداد. ويبدو أن هذه اللحظة كانت مفصلية في حياة الشاعر لأنها تؤرخ لبوادر خلافه السياسي مع
الشيوعيين والانضمام للاتجاه القومي في الفن. ولا يفوت أطيمش هذه الفرصة ليؤكد على نقطة جوهرية وهي أن السياب لم يلتزم بالفكر القومي لا من الناحية السياسية ولا التنظيمية. واختار أن يذهب بطريقه مثلما فعل كولن ولسون في أول كتبه وهو “اللامنتمي”. ولذلك تجد أنه كان يساوي بين عبد الناصر وسيف الدولة. واعتقد أن الاثنين يمثلان المكبوت أو الجانب العاطفي من الشخصية التراكمية لعموم الجماهير. ويقارن شجاعة عبد الناصر أثناء العدوان الثلاثي وشجاعة سيف الدولة في الصمود أمام أقوى إمبراطوريات الغرب الاستعماري في حينه وهي بلاط روما. حتى أنه كان يبدل اسم سيف الدولة أحيانا خلال إلقاء قصائده باسم عبد الناصر. كما فعل في أمسية دار المعلمين حين قرأ البيت التالي:
يا أمة تصنع الأقدار من دمها
لا تيأسي إن عبد الناصر القدر.
بينما ذكر الأصل سيف الدولة. وأشار السياب أن هذا جائز لأن الزعيمين مثال للشخصية التراجيدية، كما هو الحال عند إفتيشنكو وماياكوفسكي، وعند “الإغريق” عرابي التراجيديات أو آبائها الروحيين. وكان السياب بالأساس شاعرا مفارقا مثل المخطوطات الممسوحة palimpsest. وقد تداخل في حياته الحب الرومنسي – وهو أبعد ما يكون عن المجون وقريب جدا من التصور المثالي لمعنى المرأة، مع الشك والحذر في علاقاته. ولذلك وقف في صف الوجودية الرمزية وليس فلسفة الوجود. وهو ما يفسر انتقاله من معسكر إلى آخر واختياره للرؤيا في الشعر وليس الحداثة في الأسلوب. فالحداثة عنده، كما ورد على لسانه عام 1961 في مؤتمر روما، هي علاقة التزام تجمع المعنى مع الأسلوب والموضوع كما فعل ت. س. إليوت مؤلف “الأرض الخراب”. وشرح هذه الفكرة لاحقا في مقال نشره في مجلة الآداب عام 1956 قال فيه: إنه على الواقعية أن تكون ملتزمة بالحداثة (واقعية مواقف) لا أن تكون واقعية تصويرية. ولهذا السبب وقف أدباء حركة تموز عام 1958 ضده وأبعدوه عن أي مركز أدبي إداري. واضطر لأن يرد عليهم في سلسلة مقالات نشرها في جريدة “الحرية” عام 1959 بعنوان “كنت شيوعيا”. ولم يؤشر ذلك إلى ردة ثقافية من السياب ولكن لرغبة واضحة من اليسار العراقي في وأده واغتياله. وينقل أطيمش عن لميعة عباس عمارة أن البياتي هو من قاد الحملة ضد السياب. ونجم عن ذلك انطواؤه على ذاته والانسحاب من الحياة العامة وتواتر نغمة الحنق والسخط مع التذمر والتشكي في مجمل أشعاره، وفي نهاية الأمر إصابته بالزهد من حلقة الأدباء الرسميين. وكانت العلاقة بين لميعة والسياب ملتبسة، وربما تطور الإعجاب المتبادل بينهما إلى غرام عفيف في الخفاء – ولا أعتقد أنه كان يخالف مبدئية الحب العذري، وكأنه تصور تراجيدي عن علاقة أوديبية ببن ابن كبير وأم صغيرة. وقد ورد في مذكرات أطيمش أن لميعة لم تقصر في رعاية السياب، ووضعت كل طاقاتها لمؤازرته، وساعدته في بيع مجموعته “أزهار ذابلة” لتعويض ما أنفقه من نقود على طباعتها في القاهرة. وآزر لميعة في هذا الموقف بلند الحيدري. ولعب كلاهما دور حصن أو خط دفاع أمامي عن السياب بوجه اليسار، وعلى وجه الخصوص غريمه ومنافسه على ريادة الشعر الحديث: البياتي. ويورد أطيمش إشارة عابرة أن نازك الملائكة كانت تتجاهله بدورها، رغم أنها لا تنتمي لصفوف اليسار، ولم تبارك أمسيته في دار المعلمين عام 57. فقد غابت عنها رغم أنها موجودة وتعمل هناك بالتدريس وإلقاء المحاضرات. وهكذا نجد أن السياب عمليا لم يكن مع القوميين ولا الشيوعيين، حتى أنه تقرر استبعاده من اتحاد الأدباء وهو مظلة لليسار، ومن جمعية الكتاب وهي مؤسسة احتضنت القوميين والإسلاميين. وعاملته الدولة أيضا بالمثل. فقد فصل من عمله في ثانوية الرمادي عام 1949 إبان الحكومة الملكية. وفصله البعثيون عام 1963 بعد استلام السلطة رغم تأييده لهم وصداقته الروحية مع فيصل حبيب الخيزران أحد قادة البعث ومن أفراد الجيل الأول. وحينما سأله أطيمش، وهو على سرير الموت، من يتحمل وزر أوضاعنا المتدهورة، رد: الجميع. سأله: من تقصد بالضبط؟. قال بالحرف الواحد: أقصد الجميع، ولا أستثني أحدا. ثم يضيف: أنا شاعر حر وأختار حرية التفكير دون أحقاد. عدا أنه جمع بين مدرسة الآداب وشعر. ومن المعروف أنهما شيئان منفصلان. فقد اختارت أول مجلة أن تكون صوتا للاتجاهات التحررية والملتزمة، بينما قاتلت الثانية في سبيل حرية التعبير والحداثة. ولذلك يمثل السياب في حقيقة الأمر عاطفة وطنية وفنية، كما هو حال أنصار كولن ولسون وعلى رأسهم أنيس زكي حسن مترجم “اللامنتمي”، وكوكبة من الروائيين الطليعيين أمثال تيسير سبول وأمين شنار وسليمان فياض. فقد كانوا جوهريا مع الرؤية الوطنية لمرحلتهم. بتعبير آخر حملوا هما وطنيا له علاقة بمشاعر غير تجريبية عن المجتمع – الوجود التمثيلي. ولا ضرورة للتذكير أن كولن ولسون لم يحصل على أي اعتراف من رموز الفكر الوجودي كسارتر وكامو، ولا حتى دوبوفوار التي تأرجحت ببن رؤية شخصانية للداخل النفسي وانفعالات عكس – موضوعية لرهاب الخصاء (ما يسميه لاكان: الآخر غير المكتمل – وعي الابن بالأم). ومن سخرية القدر أن تنفر من السياب نازك الملائكة ولبيبة القيسي، وهي طالبة رائعة الجمال، وأن تتحابا بسبب هذا النفور حبا آثما – حسبما ينقل أطيمش عن لميعة. وكان السياب قد هام بالاثنتين وكتب فيهما قصائد غزلية. وكما يقول أطيمش كانت حياة السياب معركة مستمرة على كافة الجبهات. في الجانب العقائدي والاجتماعي، والجانب الذاتي والنفسي. ومثلما كتبت له أقداره أن يكون ضحية لمن يحب كان أيضا ضحية لما يكره. فقد تكاتفت الذكريات الموجعة مع الواقع القاسي وحولته إلى نموذج لشخصية تراجيدية وهو موضوع المذكرات في فصل عنوانه “بداية المأساة”. ويتابع فيه أطيمش آخر أيام السياب في المستشفى الأميري في الكويت حيث حارب المرض بالإكثار من كتابة القصائد الحالمة والهادئة التي كشفت عن حالة تلبس سيكولوجي لا إرادي تشبه ما رأى اليوت في باسكال (والتعبير لأطيمش). بالإضافة إلى زهد متعمد بالحياة ناجم عن إيمان لا يتزعزع أن الواقع صورة معرضة للفناء لكن النفس مثال أو نموذج يفهم ذاته بشروطه هو وليس بشروط خارجة عن إرادته وتمنياته. وربما لهذا السبب تبدو القصائد الأخيرة التي كتبها عن أحبته – بالأخص زوجته إقبال في المستشفى، والتي نشرتها له جريدة “صوت الخليج”، أشبه بترانيم في قداس. ويبدو شعره قريبا من التبتل الديني كلما تطرق لشخصيات تعايش معها. وهذا يؤكد أولوية الروح على المناظر والأماكن في شعريته. فالروح هي جزء من أسطورته الشخصية بينما المكان هو حاضن أو امتداد لها. وكلما شخصن المكان وأضفى عليه صفات محبوباته كلما تضاعفت قدرة الصور على الانتقال إلى تمثيلات وأخلاق. وهذا هو حال أهم التراجيديات الشعرية الخالدة منذ “إلياذة” هوميروس وحتى “كوميديا” دانتي. ولكن التراجيديا الأخيرة التي لم يتسن للسياب أن يكتب عنها هي عدم استلام الحكومة لجثمانه، وطرد عائلته من البيت الذي منحته له إدارة الموانئ بعد وفاته بيوم واحد.
ومع ذلك كما يقول أطيمش ربما وجد السياب في النهاية قبرا له في بلده، بينما رقد الجواهري والبياتي في دمشق، ونازك في مصر، وبلند الحيدري في لندن. وأضيف سركون بولص في برلين وحميد العقابي في الدانمارك وشكيب الجابري في السعودية. ثم يردف أن الحكومة رفعت للسياب تمثالا رماديا بهيئة دراماتيكية تشبه ممثلا في فرقة لشكسبير، وفيه يباعد ما بين يديه وينظر نحو الخليج وكأنه يكرر مقولة الشاعر دعبل الخزاعي:
إني رأيتك بعد الموت تندبني
وفي حياتي ما زودتني زادي
في النهاية يمكن تسجيل الملاحظات التالية على الكتاب.
أولا أنه لا يقدم شهادة عن شاعر ولكن عن مرحلة واتجاه، حتى أنه تكلم عن جيل السياب أكثر مما تكلم عنه.
ثانيا يدمج في شهادته آراء ومواقف أسماء هامة منهم جبرا والجواهري والبياتي ونازك الملائكة. مع أسماء مجهولين لكن لهم علاقة قوية بظروف حياة السياب. ويغتنم الفرصة أيضا ليسجل رأيا مفصلا عن كولن ولسون ومترجمه أنيس زكي حسن الذي اختفى من الساحة الأدبية بشكل غامض وقبل الأوان.
ثالثا يتضمن الكتاب محورين أساسيين. الأول سرد ومعايشة ولكنه محدود بمشهدين من حياة الشاعر. الأول في أمسية دار المعلمين العالية ببغداد، وتعقبه قطيعة طويلة حتى دخول الشاعر العناية المشددة في الكويت ووفاته. أما المحور الثاني فيتابع السياب، نقلا عن روايات مباشرة وموثقة منقولة عن آخرين من أبناء جيله. وفي كل الأحوال تغيب رحلات علاجه في باريس ولندن عن صفحات الكتاب رغم أنها تعتبر مخاضا أوليا لما سيسميه النقد الثقافي لاحقا باسم ما بعد الكولونيالية. ولهذا التوجه أهميته وعلى وجه الخصوص في بلد مثل العراق. فهو منذ أول رصاصة أطلقها الفيصليون مع فجر الثورة العربية يخرج من استعمار ليدخل في غيره. ولا تزال الحداثة الشعرية في العراق مكانا مفضلا للتجاذبات. ويبدو لي الشعر الحديث في العراق أشبه بلوحة تحكم في جهاز فائق التطور. فهو ضائع بين تراث دون هوية (أو بصراحة ببن إسلاميات متناحرة تسبب له صدعا مؤلما ونظريات قومية ذات مضمون عرقي وأحيانا مذهبي). وقد امتدت هذه المؤثرات ووصلت إلى الحداثة السورية بنسخها المتعددة كما تراها عند حسين حموي وسهيل إبراهيم وعمر صبري كتمتو (جزئيا) ومحمد عمران وبقية هذا الرعيل. وربما ضاعف من قوة تبادل المؤثرات تشابك المسارين العراقي والسوري في لبنان من جهة، وبسبب حركة التفريغ والنزوح التي شهدتها فصائل المقاومة الفلسطينية وشعراء الحداثة الطليعية المتأثرين بالنموذج الروسي. وبودي الإشارة إلى أن الحداثة في بلاد الشام ووادي الرافدين هي طقوسية ولها إيقاع مأساوي. في حين أن حداثة وادي النيل دراماتيكية وسردية، وتدل على تناحر بين المكونات. وربما هو تناحر حضاري نتيجة لتداخل الثقافة المملوكية مع المذهب الفاطمي.
رابعا. توقفت المذكرات عند أحبة السياب من الجنسين. ولكنها قفزت من فوق علاقته بزوجته إقبال. كما أنها لم تقدم أي تفسير حقيقي لأزمة السياب مع الشيوعيين دون أن تهمل دوره في النضال الشعبي واعتقاله وهروبه. ومع أنها أيضا رسمت لوحة دافئة عن تراجيديا شاعر لم تحاول رفد هذا الخط بمصير مشابه لأدباء لقوا حتفهم في بواكير حياتهم أمثال عبد الباسط الصوفي وخالد الأمين وأبو القاسم الشابي وآخرين…
*بدر شاكر السياب في أيامه الأخيرة: ذكريات شخصية. دار جداول. بيروت .111 ص. 2015.