قراءة في كتاب (نوري جعفر: رجل النهضة والإصلاح) للأستاذ ياسر جاسم

نبيل عبد الأمير الربيعي

ليس من اليسير الحديث عن الدكتور نوري جعفر بوصفه شخصية أكاديمية عابرة في تاريخ الفكر العراقي الحديث، فالرجل تجاوز حدود التخصص الضيقة ليغدو مشروعاً معرفياً متكاملاً جمع بين الفلسفة والتربية وعلم النفس وعلوم الدماغ، وربط بينها جميعاً بخيط إنساني عميق يتمثل بإيمانه الراسخ بقدرة الإنسان على صناعة النهضة وتغيير الواقع. ومن هنا تنبع أهمية كتاب الأستاذ ياسر جاسم قاسم الموسوم (نوري جعفر: رجل النهضة والإصلاح)، الصادر عن دار رند للطباعة والنشر والتوزيع في دمشق سنة 2010، والذي يُعد من أبرز الدراسات التي تناولت حياة هذا المفكر العراقي الكبير ومنجزه العلمي والفكري.

يقع الكتاب في نحو (390) صفحة من القطع المتوسط، ويتوزع على عشرة فصول، تسبقها صفحات إهداء ذات بعد إنساني مؤثر، فضلاً عن تقديم للدكتور عبد الكريم راضي جعفر، وكلمة للسيدة نجود نوري جعفر تناولت فيها جوانب من سيرة والدها العلمية والإنسانية. وقد حرص المؤلف على أن يجعل من كتابه أكثر من مجرد عرض لسيرة شخصية أو قراءة في مؤلفات عالم بارز؛ إذ سعى إلى رسم صورة متكاملة للإنسان والعالم والمصلح الذي ظل حاضراً في الذاكرة الثقافية العراقية والعربية رغم مرور عقود على رحيله.
منذ الصفحات الأولى يلمس القارئ مقدار المحبة والتقدير اللذين يكنهما المؤلف لشخصية نوري جعفر. فالإهداء لا يقتصر على استذكار عالم رحل عن الدنيا، بل يتجه إلى إنسانيته الرفيعة وأخلاقه العالية وروحه المتواضعة التي بقيت ملازمة له رغم ما حققه من إنجازات علمية وفكرية كبيرة. لقد كان نوري جعفر من أولئك العلماء الذين يزدادون تواضعاً كلما اتسعت معارفهم، حتى إنه كان يرفض وصفه بـ(العالم) ويصر على أنه ما يزال طالب علم يتعلم ويبحث ويكتشف. وهذه السُمة ليست تفصيلاً عابراً في شخصيته، بل مفتاحاً أساسياً لفهم منهجه الفكري ورؤيته للمعرفة بوصفها رحلة لا تنتهي.
ويأخذنا الكتاب إلى بدايات حياة نوري جعفر الذي ولد في قضاء القرنة بمحافظة البصرة عام 1914، ونشأ في بيئة عراقية بسيطة، قبل أن يشق طريقه في ميدان التربية والتعليم حتى أصبح واحداً من أبرز الأسماء العراقية والعربية في مجالات علم النفس التربوي وفلسفة التربية. وقد حصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الفلسفة من جامعة ولاية أوهايو الأميركية في أواخر أربعينيات القرن الماضي، وعاد إلى العراق محملاً برؤية علمية حديثة وطموح كبير للمساهمة في بناء الإنسان العراقي والعربي على أسس معرفية رصينة.
غير أن مسيرة نوري جعفر لم تكن مفروشة بالورود، فقد واجه خلال حياته محطات من الإقصاء والتهميش والفصل الوظيفي بسبب مواقفه الفكرية والسياسية المستقلة. إلا أن هذه الظروف لم تدفعه إلى التراجع أو الانكفاء، بل زادته إصراراً على التمسك بمبادئه والدفاع عن قناعاته. ويبرز المؤلف هذا الجانب من شخصيته بوصفه دليلاً على شجاعة مدنية نادرة، إذ لم يكن يرى في المثقف مجرد منتج للأفكار، بل شاهداً على عصره ومسؤولاً أخلاقياً تجاه قضايا مجتمعه.
لقد آمن نوري جعفر بأن المعرفة لا تنفصل عن الموقف، وأن العالم الحقيقي لا يكتفي بالبحث داخل المختبر أو قاعة الدرس، بل يشارك في مواجهة التحديات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي تعترض طريق مجتمعه. ولهذا لم يتردد في التعبير عن آرائه عبر المقالات والكتابات الصحفية، حتى عندما كان ذلك يكلّفه الكثير من المتاعب والمضايقات.
ومن أبرز الجوانب التي يسلط عليها الكتاب الضوء مشروع نوري جعفر العلمي الذي تميز بطابعه الموسوعي. فهو لم يكن باحثاً تقليدياً في علم النفس أو التربية فحسب، بل كان من أوائل المفكرين العرب الذين سعوا إلى بناء جسور معرفية بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية. فقد انشغل بدراسة العلاقة بين النشاط العقلي والوظائف العصبية للدماغ، واهتم بفهم آليات الإبداع والتفكير والذكاء، محاولاً تقديم تفسير علمي متكامل للقدرات الإنسانية.
وكان يرى أن الدماغ يمثل مركز التقاء العلوم المختلفة، وأن فهم الإنسان لا يتحقق من خلال علم واحد، بل عبر تضافر علوم النفس والفسيولوجيا والتربية والاجتماع والفلسفة. ومن هنا جاءت دعوته إلى تجاوز الحدود التقليدية بين التخصصات، وإقامة حوار معرفي مستمر بينها. وهي رؤية تبدو اليوم أكثر راهنية في ظل الاتجاهات العلمية الحديثة التي تؤكد أهمية الدراسات البينية والتكامل المعرفي.
ومن الأفكار الجوهرية التي توقف عندها المؤلف إيمان نوري جعفر العميق بوحدة المعرفة الإنسانية. فالرجل لم يحصر اهتماماته في الحقول الأكاديمية التي تخصص فيها، بل انفتح على الأدب والشعر والفن والتاريخ والفلسفة. وكان يعتقد أن الإبداع الإنساني وحدة متكاملة لا يمكن تجزئتها إلى جزر منفصلة. ولهذا نجده يدرس شخصيات أدبية وفكرية كبرى مثل أبي الطيب المتنبي والجاحظ والحريري ومكسيم غوركي وغيرهم، محاولاً استكشاف البعد النفسي الكامن وراء إبداعهم.
وقد منح هذا التوجه قراءاته الأدبية خصوصية واضحة، إذ لم يكن يكتفي بتحليل النصوص من الناحية البلاغية أو الجمالية، بل كان يبحث فيها عن الإنسان وتجربته النفسية والوجودية. وكان يرى أن الأدب مرآة للنفس البشرية، وأن الشاعر أو الأديب يمتلك قدرة استثنائية على الكشف عن أعماق الإنسان ربما لا تقل أهمية عن قدرة عالم النفس نفسه.
ولعل المتنبي كان الشخصية الأدبية الأقرب إلى اهتماماته الفكرية، فقد وجد فيه نموذجاً فريداً للعبقرية الإنسانية والطاقة الخلاقة للعقل. ولذلك ظل شعر المتنبي حاضراً في مؤلفاته ومحاضراته واستشهاداته الفكرية، بوصفه تعبيراً عن الإرادة الإنسانية وقدرتها على تجاوز حدود الواقع وصناعة الممكن.
ويتناول الكتاب كذلك رؤية نوري جعفر للتنمية والإصلاح الاجتماعي، وهي رؤية تنطلق من إيمانه بأن النهضة تبدأ من الإنسان قبل أي شيء آخر. فقد كان يؤكد أن بناء المدارس والطرق والمصانع لا يكفي لتحقيق التقدم إذا لم يترافق مع بناء العقل القادر على التفكير النقدي والإبداع. وكان يرى أن التربية هي الثروة الحقيقية للأمم، وأن الاستثمار في الإنسان يسبق الاستثمار في الموارد المادية.
ومن هذا المنطلق أولى أهمية كبيرة لدور الأسرة والمدرسة والجامعة في تشكيل الشخصية الإنسانية. وكان يعتقد أن أي مشروع تنموي يغفل البعد التربوي سيبقى مشروعاً ناقصاً مهما توفرت له الإمكانات الاقتصادية. فالإنسان الواعي والمبدع هو أساس كل نهضة حضارية، وهو القادر على تحويل الموارد إلى منجزات حقيقية.
كما يكشف الكتاب عن جانب مهم من شخصية نوري جعفر يتمثل في نزعته الإصلاحية العملية. فهو لم يكن مفكراً تنظيرياً يعيش في عالم الأفكار المجردة، بل كان يسعى دائماً إلى تحويل المعرفة إلى قوة فاعلة في الواقع. ولهذا جاءت مؤلفاته وأبحاثه محملة بالمقترحات والرؤى التطبيقية التي تستهدف تطوير التعليم والارتقاء بالبحث العلمي وتنمية القدرات العقلية لدى الأفراد.
ومن السمات اللافتة في منهجه العلمي استعداده الدائم لمراجعة أفكاره ونقدها. فقد كان يؤمن بأن المعرفة الحقيقية لا تعرف الجمود، وأن العالم الذي يتوقف عن مراجعة أفكاره يفقد قدرته على التطور. لذلك ظل منفتحاً على المستجدات العلمية، حريصاً على تطوير رؤاه بما ينسجم مع ما يستجد من اكتشافات ومعارف.
ويُحسب للأستاذ ياسر جاسم قاسم أنه لم يقع في فخ التمجيد المطلق لشخصية نوري جعفر، بل سعى إلى تقديم قراءة نقدية متوازنة تجمع بين التقدير العلمي والتحليل الموضوعي. فقد ناقش أفكاره ومشاريعه الفكرية، ووقف عند جوانب القوة فيها، كما أشار إلى بعض المسائل التي يمكن أن تكون موضع نقاش أو مراجعة. وهذه المقاربة منحت الكتاب قيمة علمية إضافية، لأنه تجاوز حدود السيرة التقليدية إلى فضاء الدراسة النقدية الرصينة.
كما تزداد أهمية الكتاب من خلال ما تضمنه من وثائق وصور وشهادات ومعلومات نُشر بعضها للمرة الأولى، الأمر الذي جعله مصدراً توثيقياً مهماً للباحثين والمهتمين بتاريخ الفكر التربوي والنفسي والفلسفي في العراق.
إن كتاب (نوري جعفر: رجل النهضة والإصلاح) لا يقدم لنا سيرة عالم عراقي بارز فحسب، بل يعيد إحياء تجربة فكرية وإنسانية ما زالت تمتلك القدرة على إلهام الأجيال الجديدة. فهو يذكرنا بأن النهضة ليست شعاراً سياسياً أو مشروعاً اقتصادياً فقط، بل هي قبل كل شيء مشروع لبناء الإنسان وتنمية العقل وترسيخ قيم المعرفة والأخلاق.
لقد رحل الدكتور نوري جعفر في ليبيا نهاية عام 1991 بسبب مرض الانفلونزا الحاد، لكن الأفكار الكبرى لا ترحل برحيل أصحابها. فما زالت كتبه حاضرة، وما زالت رؤاه التربوية والفلسفية موضع اهتمام الباحثين والدارسين، وما زال اسمه يمثل أحد أبرز رموز التنوير العراقي الحديث. ولعل القيمة الحقيقية لهذا المفكر تكمن في أنه لم ينظر إلى المعرفة بوصفها وسيلة للوجاهة أو الشهرة، بل بوصفها رسالة إنسانية سامية تهدف إلى تحرير العقل وإصلاح المجتمع وبناء مستقبل أكثر إشراقاً للإنسان.
ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب الذي أنجزه الأستاذ ياسر جاسم قاسم؛ إذ لا يكتفي بتوثيق سيرة نوري جعفر، بل يدعو القارئ إلى إعادة اكتشاف مشروعه النهضوي والإصلاحي، واستحضار الدروس التي ما زالت صالحة لعصرنا الراهن، في زمن تشتد فيه الحاجة إلى العقل النقدي، والتربية الواعية، والإيمان بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية للأمم وأساس كل مشروع حضاري.

قد يعجبك ايضا