د.نورالدين خوشناو
عندما يتحدث الرئيس بلغة ويتحدث المسؤولون بلغة أخرى
تمثل هذه المقالة قراءة تحليلية صادرة عن المعهد الإسكندنافي لأبحاث الشرق الأوسط (SMERI)، وتعكس تقييماً بحثياً للتطورات السياسية داخل الإدارة الأميركية وانعكاساتها على الشرق الأوسط. وتهدف هذه الدراسة إلى فهم ديناميكيات صنع القرار والعلاقات بين مراكز النفوذ المختلفة في واشنطن، دون الادعاء بامتلاك معلومات غير متاحة للرأي العام.

لطالما عُرفت الولايات المتحدة بامتلاكها واحدة من أكثر المؤسسات السياسية تنظيماً في العالم. فالرئيس ووزارة الخارجية ووزارة الدفاع والأجهزة الأمنية يعملون ضمن منظومة مؤسساتية متكاملة تضمن قدراً كبيراً من التنسيق في السياسات الداخلية والخارجية.
لكن خلال السنوات الأخيرة، وبشكل أكثر وضوحاً خلال عهد الرئيس دونالد ترامب، بدأت تظهر تساؤلات حول مدى الانسجام بين مراكز القرار المختلفة داخل الإدارة الأميركية. فالمراقبون يلاحظون أحياناً وجود تصريحات متناقضة أو رسائل سياسية مختلفة تصدر من البيت الأبيض ووزارة الخارجية أو من مسؤولين كبار داخل الإدارة نفسها.
وقد عاد هذا النقاش إلى الواجهة مجدداً بعد الجدل المتعلق بتوم باراك، سفير الولايات المتحدة لدى تركيا والمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق.
ففي الوقت الذي أعلن فيه الرئيس ترامب دعمه الكامل لباراك وتعيينه مبعوثاً رئاسياً خاصاً لكل من سوريا والعراق، كانت هناك تصريحات أخرى صادرة عن وزير الخارجية ماركو روبيو أو مسؤولين مقربين من الخارجية الأميركية توحي بترتيبات مختلفة أو بأدوار غير واضحة المعالم.
هذا التباين دفع بعض المراقبين إلى التساؤل: هل هناك بالفعل خلل في التنسيق داخل الإدارة الأميركية؟ أم أن الأمر يعكس تعدد مراكز صنع القرار داخل الدولة الأقوى في العالم؟
هل هذه الظاهرة جديدة؟
في الحقيقة، ليست هذه هي المرة الأولى التي تظهر فيها اختلافات داخل الإدارات الأميركية.
فالتاريخ السياسي الأميركي مليء بحالات شهدت خلافات بين البيت الأبيض ووزارة الخارجية أو وزارة الدفاع أو حتى أجهزة الاستخبارات. وقد ظهرت مثل هذه الخلافات خلال حرب فيتنام، وحرب العراق، وأثناء إدارة باراك أوباما، وكذلك خلال إدارة ترامب الأولى.
لكن ما يختلف اليوم هو أن هذه الخلافات أصبحت أكثر ظهوراً أمام وسائل الإعلام والرأي العام، بسبب سرعة تداول المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية.
في الماضي، كانت الخلافات غالباً تُناقش داخل الغرف المغلقة، أما اليوم فإن تصريحاً واحداً أو منشوراً على وسائل التواصل قد يكشف تباينات لم يكن الجمهور يراها سابقاً.
دولة مؤسسات أم دولة شخصيات؟
يرى بعض المحللين أن ما يحدث يعكس صراعاً بين منطقين داخل السياسة الأميركية.
المنطق الأول هو منطق المؤسسات التقليدية التي تعتمد على الدراسات والتقارير والتشاور بين مختلف الجهات الحكومية قبل اتخاذ القرار.
أما المنطق الثاني فهو منطق القيادة السياسية المباشرة التي تسعى أحياناً إلى اتخاذ قرارات سريعة أو غير تقليدية انطلاقاً من رؤية الرئيس وفريقه المقرب.
ومن هنا تنشأ أحياناً فجوة بين ما تفضله المؤسسات التقليدية وما يعلنه الرئيس أو المقربون منه.
الشرق الأوسط نموذجاً
تظهر هذه التعقيدات بشكل أوضح في ملفات الشرق الأوسط.
فالقضايا المرتبطة بسوريا والعراق وإيران وتركيا وإسرائيل ودول الخليج تتداخل فيها اعتبارات أمنية وعسكرية واقتصادية ودبلوماسية معقدة.
ولذلك قد نجد أن وزارة الخارجية تنظر إلى قضية معينة من زاوية دبلوماسية، بينما تنظر وزارة الدفاع إليها من زاوية أمنية، وينظر البيت الأبيض إليها من زاوية سياسية أو انتخابية أو اقتصادية.
وهذا لا يعني بالضرورة وجود فوضى كاملة، لكنه يعكس حجم التعقيد الموجود داخل عملية صنع القرار الأميركية.
قضية توم باراك مثالاً
الجدل حول توم باراك يعكس هذه الإشكالية بوضوح.
فالرجل ليس دبلوماسياً تقليدياً فقط، بل هو أيضاً رجل أعمال ومستثمر وصديق قديم للرئيس ترامب منذ ثمانينيات القرن الماضي.
ولهذا فإن البعض ينظر إليه بوصفه ممثلاً للرؤية السياسية المقربة من ترامب أكثر من كونه مجرد موظف حكومي عادي.
وفي المقابل، يرى آخرون أن قربه من الرئيس يمنحه قدرة أكبر على تنفيذ السياسات الأميركية والتواصل المباشر مع مركز القرار في واشنطن.
الولاء السياسي وصراع المستقبل داخل الحزب الجمهوري
إلى جانب الجدل حول السياسات والملفات الإقليمية، يلاحظ بعض المراقبين أن الإدارة الأميركية الحالية تضم شخصيات سياسية بارزة قد تلعب أدواراً أكبر في مرحلة ما بعد دونالد ترامب.
ويبرز من بين هذه الشخصيات نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو، وكلاهما يعد من الأسماء المطروحة داخل الحزب الجمهوري للمستقبل السياسي بعد انتهاء حقبة ترامب.
ولهذا يرى بعض المحللين أن التنافس بين مراكز النفوذ داخل الإدارة لا يرتبط فقط بالسياسات الحالية، بل قد يكون مرتبطاً أيضاً بالاستعداد المبكر للمرحلة السياسية القادمة. فكل من فانس وروبيو يمثل تياراً مؤثراً داخل الحزب الجمهوري، ولكل منهما قاعدة دعم سياسية وطموحات مستقبلية محتملة.
ومع ذلك، فإن ما يجمع هذه الشخصيات حتى الآن هو استمرار إعلان الولاء السياسي للرئيس ترامب واعتباره المرجعية الأساسية للإدارة الحالية. فحتى مع وجود اختلافات في الأساليب أو الأولويات أو التصريحات، لا تزال شخصية ترامب تمثل عامل التوازن الرئيسي داخل المعسكر الجمهوري.
ومن وجهة نظر العديد من المراقبين، فإن قدرة ترامب على الحفاظ على هذا التوازن بين شخصيات تمتلك طموحات سياسية كبيرة تعد أحد أهم أسباب استمرار تماسك الإدارة الحالية. فالرئيس لا يزال يشكل نقطة الالتقاء المشتركة بين مختلف التيارات الجمهورية، سواء تلك المرتبطة بالمؤسسة التقليدية أو التيار الشعبوي أو المحافظين الجدد.
لكن السؤال الذي قد يفرض نفسه في السنوات المقبلة هو: هل سيبقى هذا التوازن قائماً بعد ترامب؟ أم أن التنافس بين الأسماء الجمهورية البارزة سيظهر بشكل أوضح مع اقتراب أي استحقاق انتخابي مستقبلي؟
حتى الآن لا توجد إجابة واضحة، لكن المؤكد أن ما يجري داخل واشنطن لا يتعلق فقط بإدارة ملفات الشرق الأوسط، بل أيضاً برسم ملامح القيادة الجمهورية في مرحلة ما بعد ترامب.
ربما يكون من المبالغة القول إن «اليد اليمنى لا تعرف ما تفعله اليد اليسرى» داخل الإدارة الأميركية، لكن من الواضح أن عملية صنع القرار في واشنطن أصبحت أكثر تعقيداً مما كانت عليه في السابق.
فالولايات المتحدة لا تُدار من شخص واحد، بل من شبكة واسعة من المؤسسات والمستشارين والوزارات والأجهزة الأمنية والاقتصادية. وفي بعض الأحيان تظهر اختلافات في الأولويات أو في طريقة عرض السياسات، وهو أمر ليس جديداً بالكامل في التاريخ الأميركي، لكنه أصبح أكثر وضوحاً أمام الرأي العام ووسائل الإعلام.
ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع واشنطن الحفاظ على وحدة رسالتها السياسية في الملفات الدولية الحساسة، أم أن تعدد الأصوات داخل الإدارة سيستمر في خلق حالة من الغموض لدى الحلفاء والخصوم على حد سواء؟ وربما أيضاً في الكشف عن ملامح الصراع السياسي المبكر على مرحلة ما بعد ترامب داخل الحزب الجمهوري نفسه.
دراسة تحليلية صادرة عن المعهد الإسكندنافي لأبحاث الشرق الأوسط (SMERI)
إعداد: د. نورالدين خوشناو
مدير المعهد
SMERI – Scandinavian Middle East Research Institute